برهبة ممزوجة بالشجاعة .. بأصابع ملفوفة بالمنى
تناولت كتاب الجنائز بين يديها .. قلبته ورقة ورقة
من إرهاصات الإحتضار إلى مراسم التغسيل والتكفين الى الدفن والتلحيد
عشرات الرسومات الارشادية والصور الحية لقبور فاغرة تفتح بواباتها لساكنيها
ذات ليلة سمر صاخبة بالضحكات مزدانة بالبِشر والبسمات
اتسعت عيناها الكحيلتان وأشرق محياها طالبة إليه أن يفعل بها كما ورد بنص الكتاب
أن يودعها أحد تلك القبور النموذجية في بطن إحدى الأراضي الطيبة
لا كما يقبر سائر الموتى, حانت منه ضحكة مغزاها
لماذا تأتين على ذكر الموت حبيبتي وأنتِ مازلتِ شابة ومازال أطفالنا بحاجتك ؟
لماذا تأتين على ذكر الموت حبيبتي وأنا مازلت أحتاجكِ وسأظل أحتاجكِ ؟
ولأن مفردة الموت هي أبعد ما تكون عن قاموسه المنطوق ..
انطلق ينحو بالأمر منحى ساخرا
"هل لي طاقة بأهلك .. أترينهم يسمحون لي بأن ألقي بكِ بعيدا هكذا"
بادرته بلهجة ملؤها التحدي المشوب بالشغف
دع عن كاهلك هذا الأمر .. أولادي كفلاء بتلبية أمنيتي"
"أن تستريح عظامي حيث أحب كيفما أحب
سنوات تمضي ومازالت منى تعطي..
بكل الحب منحت كل ما لديها بكل الود بذلت كل ما بيديها
حتى أتت تلك اللحظة .. حينها ..
انغلقت عيناها فلم تريا الدمع المترقرق في مقلتي حبيبها
صمت أذناها فلم تستمعا استغاثات ابنها يرجوها العودة ولو لدقائق معدودة
ارتخت ذراعاها فلم تستطيعا أن تحتضنا ابنتها لتخفف عنها من وقع الصدمة
سكنت دقات قلبها الكبير الذي لطالما نبض بالحب
تحققت أمنيتها أن تستريح عظامها حيث أحبت كيفما أحبت
أما هو فقد استسلم للقدر الذي استلبها من بين يديه
مضى مكلوم الفؤاد يتحاشى النظر إلى عيون أطفاله
ذهب في قسوته على نفسه مذهبا متطرفا ..
عزم على أن يتصرف وكأن شيئا لم يكن
أن يبدو متماسكا وكأنها لا تزال إلى جانبه
في خلواته لا تتوقف دموعه عن الإنهمار ..
لا تتوقف أشواقه عن التهام أخضره ويابسه
بينما لا يقوى على أن يأتي على مجرد ذكر اسمها علنا خشية أن يبدو ما يخفيه
,,,"اذهبي إلى فلانة .. عرفيها بنفسك أخبريها أنك منى"
"عفوا ماذا قلت للتو ؟؟"
"لا .. لا شيء .. لم تقل شيئا"
لم تكن تلك مجرد زلة لسان في حديث عابر بين أب وابنته
بقدر ما كانت دليلا دامغا على حبائل من المنى لم يبلها عامان من الفراق
إنها هناك .. بداخله .. تسكنه .. تماما كما كان يسكنها .. هي وطنه
وكان لابد له من أن يعود إليها
على الرغم من كونه أكثر الجبال صلادة
على الرغم من كونه أكثر الآباء رأفة ورقة
لم يستطع أحمد إلا أن يلبي النداء .. إذ كان على موعد مع مناه
لتستريح عظامه إلى جانب عظامها حيث أحبت كيفما أحبت
..............................