2009-09-25

سرطان الفقد




كان وخيالـُه نصفين صحيحين يغذي أحدهما الآخر, استطالا معاً .. استعرضا معاً.. 

تمددا في كل الأبعاد المحسوسةِ وغير المحسوسة .. معاً.. 

حتى ضربهما الفقد الأول ,, 

انهارت قائمةٌ .. تنامى نقصٌ سريعُ التكاثر, انطلقت على إثره دفاعاتـُهما المشتركة, 

لترغم سرطانَ الفقدِ المنتشر على الإكتفاءِ بهذا القدر مما قد استهلكه منهما.

لاقت الخطة نجاحاً متعسراً, كانت ارتقاءاتٌ نوعيةٌ تذيّلها سقطات. سقطةٌ تلتها أخرى.. 


ثمّ كانت جائحةُ الفقدِ الثاني ,, 

أطاحت بالقائمة الأخرى .. ليصبح صاحبانا كائنين شائهين يطوفانِ على لا قدمين.

انقطعت حبائلـُهما الأقوى بالحياة, صارا منها على تماس يسير لا يفي باحتياجاتٍ

تزدادُ خصوصيةً يوماً بعد يوم.

بصحبة شعاعٍ متهالكٍ من نور, مضيا يرعى كلٌّ منهما الآخر ناسجين من حولهِـما 

دروعاً صدئةً مضادةً للفقد.


  **********
خلاصة:-


رغم أنف كلّ فقدٍ وافتقاد .. 
لم يتوقفْ القلب عن الخفقان .. ولا كفّـتِ الخيالات عن التولـُّـد
وإن كانت الخفقاتُ مزعـِجةً .. والمتولـِّـداتُ معتوهة

2009-09-11

مقتطفات من حلم



- في الحياة هناك من يحلم في مناماته, وهناك من يحلم مفتوح العينين, وهناك من لا تعرف الأحلام طريقها إليه, أما في حياتها هي .. هناك حلم واحد طويل متعدد الحلقات متعرج المسارات, ما أن ينتهي حتى يبدأ من جديد. قد يتراءى لها ورديا محمر الوجنات حينا, قد يشحب أحايينا, ثم قد يسود كثيرا, يتحول إلى كابوس مرعب بين وقت وآخر, لكنه في البداية والنهاية وما بينهما ليس سوى .. مجرد حلم !. 



- تنظر إلى وليدتها التي كانت بالأمس حلما بظهر الغيب, تحتويه في أحشائها تقوم وترقد وهي بداخلها, تمتد إليها بشرايين حبها لتغدق عليها من رحماتها, هي اليوم بين يديها وتحت ناظريها, تحيطها بذراعيها الحنونتين وتضمها إلى صدرها الدافئ, تناجيها بلغة بينهما لا يفهمها سواهما, تنطق بها عيناهما في حين تعجز كل لغات الدنيا أن تترجم الإشارات المتبادلة بين قلبيهما. إنها البداية إذا .. قطرة الندى الأولى في ساعة الفجر الأولى ومازال الحلم في بدايته. 


- الباء طبق تحته نقطة والتاء طبق فوقه نقطتان, ثم يا لجمال وانحناءة قوام تلك الياء, أما هذه الهمزة عدوة البشرية .. كم هي صعبة !!.


- لقد احتل مكانها .. سرق الأضواء التي كانت قد سلطت عليها وحدها طويلا, لكنها لم تكن لتسلمه مقاليد الأمور بهذه السهولة .. كلا وألف كلا .. لم تتوان لحظة عن إزعاجه وهو الهادئ المسالم, من قرصة في خده الغض إلى وخزة في جنبه إلى عضة في ذراعه التي لا تكاد ترى من رقتها, إلى عديد من محاولات جادة لإسقاطه أرضا وطرحه عن الحياة بالكامل !.



- بصعوبة تضاهي صعوبة انتزاع الروح  من الجسد, تباعدت كفاهما وهما يباشران مراسم الوداع .. إنه ذات الشعور الذي ينتاب المرء وهو يعالج حلما باهت المعالم يثقل على الروح استيعابه, فلا يكف عن التساؤل: هل هذا حقيقي, هل هو الواقع أم أني أحلم ؟!! .. أتراني أفيق قريبا وينجلي السواد؟!. ثم يأتي صوت الطائرة المغادرة هادرا صاما للآذان, فتستسلم الاحتمالات جميعها إلى واقع حتمي .. نعم .. سأغادر!.


- لم تحن العودة بعد, لم تتح الفرصة لتبين الحقيقة من الوهم بعد, لذا فالتعايش مع الواقع الجديد يبدو هو الأجدى في هذه المرحلة. من يدري فيوما ما سيصبح هذا الجديد قديما وذاك القديم موغلاً في القدم بشدة.



- سيدة عجوز جاوزت الثمانين, تحيا بصحبة كوابيسها بين جدران أربع, تضيق عليها حتى تكاد أن تخترق روحها, وحيدة تصرخ بصوت مكتوم أوهنه الزمان. تسمع طرقات على بابها بعض أحايين فتتقافز داخلها أحلى الأماني بمرآى ابن لها أو ابنة, حفيد أو حفيدة, لكن سرعان ما تتهاوى أحلامها وتتكسر مفتتة على صخرة من الجحود والنكران, فهذه ما أتتها إلا طمعا فيما عندها - وإن كانت لا تملك من حطام الدنيا شيئا ذا بال - وهذا لا يتورع عن السخرية منها وازدرائها وهو لا يطعم إلا مما جنت يداها, أما هؤلاء فيسفهونها وهي التي على ضآلة حجمها تزنهم عقلا وحلما. وإن كانت الأيام قد استنزفت جسدها حتى أورثته مدخرا من الأسقام, إلا أنها لم تقوَ إطلاقا على إهراق جرعات الحياة وأكاسير الشباب التي تجري منها مجرى الدم وتختلط بها اختلاط الشيء بذاته. إنها مثال لما لا يمثل على أرض الواقع .. إنها امرأة من عالم الأحلام.



- يغلبها النعاس مليا, تنتفض فزعة, تتذكر الحقيقة الحارقة, أنها تتنقل من كابوس الى آخر وأن الإفاقة لم تحن بعد, فأمد العذاب مازال طويلا والسكاكين لا تتوانى عن طعنها كل طعنة وطعنة دون هوادة. تحتضن ما تبقى من روحها في ركن حجرتها, تحدق في لا اتجاه محدد, تزوغ عيناها باحثة عن مرسى بعيد عن لجة الآلام وتباريح الوجد والأحزان, تتصنع الصمود متسلحة بكل مثقال حبة من خردل من صبر. أي مستقبل مظلم هذا الذي ينتظرها, أي أفق هذا الذي يأبى أن ينفتح لينفذ من خلاله شعاع أحلامها ؟!




- يالها من فرحة تعم الأرجاء تزيل غيامات الغم الذي سكنها طويلا, آن للأحزان أن تنكشف وتنسحب أمام سحابات البهجة والحبور, حتى وإن كانت تلك هدنة إلى حين, فليس من شيم الكوابيس أن ترحل دون أن تطلق وعودها المغلظة بالعودة مرة أخرى بكامل طاقتها, لتصنع من الحلو مرا مريرا ومن الأبيض أسودا متفحما. 



- إنها ذاكرة من زمن آخر وحلم آخر, ربما أروي بدايته وأرسم نهايته في وقت آخر .