2013-03-28

عن المشكلة؛ جزء منها

الحاج عصام مات، فعلا؟!
من يومين كان القمر بدر كامل في السما، كنت على ارتفاع ببُصّ لتحت، أراقب اللي أقدر أراقبه، وأهمس بصوت عالي لأختي كتفها فـ كتفي:
- هو ازاي الحاج عصام مش موجود؟!
- الحاج عصام!
- آه.. ليه مش موجود؟!

لسببٍ ما، أو من غير سبب، الكلام الجاي ده عايزة أخاطب بيه روز. ولمن لا يعرف، فـ روز هي بنت جميلة، وبتكتب حلو، بتكتب لنفسها غالبًا، بتسمح لنا نقرا ساعات، وساعات نكتب لنفسنا معاها. مش هعرف أشرح، لكن أقدر أقول إن "يرجع الصوت المسافر" أو "في برزخ الصمت" سابقًا، مكان من الأماكن الأكثر تحريضًا لحد شبه لبنى على إنه يبطّل يبقى شبهها، أو بالأحرى إنه يبدأ يبقى شبهها أكتر؛ لبنى الحقيقية.

لوقت طويل يا روز، أو خليني أقول لعمر طويل -وقد أصبحتُ عجوزًا يعني- كنت مقتنعة تمامًا إني بحب أكون لوحدي، وإني فعليًا مالية عليّا حياتي، فلما يقولوا: "ومن صفاتِ برجِ الدلو أنه اجتماعيٌّ ويحبُّ الناس"، لازم أومئ إيماءة خفيفة: "فعلاً، عندهم حق، الأبراج دي كلام فاضي، قال ناس قال!".

فين المشكلة؟! المشكلة إن ده اتغير، مستمر في التغير بطريقة مرهقة. المرهق مش إن "غير الاجتماعي" تحوّل بدرامية مبالغ فيها إلى "اجتماعي"، لأن ده محصلش. اللي حصل وبيحصل شيء تاني مختلف. مختلف ازاي؟! هحكيلك يا روز، شوية.

زي مثلاً لما رُحت "الفن ميدان" السبت الـ قبل قبل اللي فات، لوحدي طبعًا. في الأول كنت ببصّ في الوشوش -اللي بتزيد كل شوية وشّ- بحثًا عن وشّ مألوف، مفيش. الوشّ الوحيد اللي كنت عارفاه، رُحت سلّمت عليه؛ "ازيَّك"، "ازيِّك"، معرفنيش، رغم إننا التقينا من كام سنة، وكالعادي بتاعي، متبرعتش بإني أفكّره.

رجعت أدوّر تاني، وتاني، متوقفتش عن التدوير، وفي الأثناء، تدريجيًا بقيت حاسّة إني أعرف الجموع دي كلها، حسّيت بألفة، بإن "دول كلهم بني آدمين، كلهم حلوين ودافيين". كنت بعدّي على العارضين ترابيزة ترابيزة، أبتسم: "ازيكم"، أتفرّج، أتفرّج أوي، أبتسم: "شغلكم جميل"، وأمشي.

شغلك جميل دي فكّرتني دلوقتي بحاجة، بالممرضة الفلبينية -على الأغلب- اللي ابتسمت لها نفس الابتسامة، وقلت لها حاجة زي: you're doing a great job.. لكن.. انتي عارفة يا روز، لما الأمر بيتعلق بالأردية البيضاء وريحة الديتول، الـ"جريت جوب" مش دايمًا بيكون كفاية، حتى اسألي لبنى الصغيرة وهي تقولك، أو متقُلش.

نرجع للشيء المختلف.. عارفة فيه كام واحدة صاحبتي أكّدت عليها أكتر من مرة: "أنا فاضية كل يوم من الساعة كذا للساعة كذا، عايزة أشوفك"؟ حتى لو أنا مش فاضية! وكام مرة كنت عايزة أعمل إعلان عملاق: "أيوة، أنا موجودة أهو، انتو فين؟"، مع إني عارفة إنه من الوارد أكون مش موجودة أوي، ممكن اللقا يصادف اللحظة اللي الزرار فيها مطفي عندي، فمعرفش... أو ببساطة أسكت كتير، لأن اللحظة لحظة فراغ تام، مفيش حاجة تتقال.

الحاجات اللي المفروض متتقالش بقت بتخنقني أوي يا روز. لكن، القول مقدور عليه، أنا مش بقول كتير بطبيعة الحال، ولعمر طويل -أيوة هو نفسه العمر الطويل بتاع العواجيز اللي اتكلمت عنه فوق- كنت مقتنعة إني مش بعرف أقول أصلاً! لكن كمان مطلوب مني مكتبش؟!

إنه، ازاي ممكن أمنع نفسي من الكتابة عن كل ده؟! عن كل الحاجات اللي اتغيرت في السنتين اللي فاتوا. لما كل الحاجات الـ قبل بتبان لي بعيدة أوي، تاريخية، النوع ده من التاريخ اللي بتحسّي نفسك براه، مش مرتبطة بيه عضويًا، فاكراه لكن مش حاسّاه، لما كل ده يبان بالأبيض والإسود، والولد البعيد "المؤلم" -هو بس- وكل شيء ليه علاقة بيه -حتى الولد التاني اللي بييجي كتير في الحلم- يبان ملوّن، أصلي، وممتدّ.

عارفة إني مش أنا، اتغيرت، بقيت واقفة جنبي، بحبني، بفهمني، لكن، لسة فيه حاجات كتير مش قادرة أفهمها يا روز. من يومين كنت ببصّ في عينيها واحنا بنرغي، وبعدين قلت: "عارفة إني عمري ما بصّيت في عينين حد غيرك يا إيثار؟"، ولا حتى عيون الولد البعيد يا روز.
تفتكري لو كنت بصّيت كنت فهمت؟!

هناك 9 تعليقات:

  1. لا مكانش الأمر ح يختلف، كان ح يسيب وجع أكتر..
    بصي، على مر السنين، وإحنا بنعمل اللي اتربينا عليه، اللي طلعنا عليه واللي أهلنا قالوا لنا إن ده الصح، بس مش شرط يكون هو الصحيح بالنسبة لنا، تذكري إن الأهل ميعرفوش كل حاجة ومش دايمًا كلامهم صح. حاجة كمان: اللي ارتضيناه زمان بإن هو ده الصح لينا مش شرط يمشي في كل وقت، بالعكس، قد تجدّ ظروف تدفعك لاتخاذ خيارات تانية تبقى هي الصح بالنسبة لك في الفترة دي..
    البوح والكلام مش سهل، صدقيني مش سهل، ومحتاج تدريب طويل وعناية وبذل مجهود وإصرار، وغالبًا إحنا بنستسهل.. كتير من الوقت باروّح باكون لوحدي في البيت، باكسّل أكتب على الفيس بوك "حد صاحي يرغي معايا؟" لكن لما باعمل كده النتايج بتبقى إيجابية جدا، والحمد لله يعني.. حاولي إنتي كمان وشوفي :)
    وبالمناسبة: مبسوطة جدا إن حكيي استثار رغبة الحكي عندك، ومبسوطة أكتر إنك كتبتي اسمي في تدوينة ليكي :)
    *أحضان إليكترونية عميقة*
    كوني بخير
    ...
    هامش: لما بتكتبي بالعامي الكلام بيطلع من القلب، وأحلى، أو هكذا أرى :)

    ردحذف
  2. طارق
    ...

    حنين
    أنا مبسوطة كتير إنك هنا :) هجرّب طريقة حدّ صاحي دي :))
    دومي :)

    ردحذف
  3. أنا مع روز ..
    أو حنين :)
    ومعاكي ف كلامك عنها، وكلامك عنك .. وكلامنا عننا :)
    ...
    أوقات بقول هوا إحنا يعني لو فضلنا نتكلِّم كده وعن كده، ونحب الكتابة اللي بتشبهنا قوي دي، واللي بتقول اللي على بالنا على طول، هنبقى أحسن مثلاً ؟!! ده بيزوِّد الحالة ولا بيقلل منها كوننا مش لوحدينا!!
    ولا مش بتفرق كتير؟!!
    .
    ولا ساعات يكون كتم الأنين أصدق؟!!
    .
    فعليًا مش عارف، أنا ومن مزنقي هذا أحب أشكرك على مدونة روز :)
    .
    وعلى وجودك الحلو الفارق .. في الحياة
    .
    وعلى فكرة يعني لااازم نتجابل :)

    ردحذف
  4. حاجتين مش بحبهم ف المدونات:
    الإشراف ع التعليقات لإني بحب بعد ما اكتب التعليق أشوفه :)
    و الناس اللي بتسيب حروف نكتبها مش عارف ليه

    ردحذف
  5. إبراهيم..

    ... ملاحظين الأول إني بردّ على التعليقات؟! دي مبتحصلش حتى في المناسبات السعيدة :D

    إبراهيم.. هنبقى أحسن؟ مش بالضرورة، بيزود الحالة أو بيقلل منها؟ الاتنين، الكتابة بتضخّم حاجات لما بتحوّلها من مجرد أفكار لدراما على المشاع، وفي نفس الوقت بتهوّنها جوانا، بالذات لما بنثبت لنا إننا كلنا شبه بعض مهما اختلفنا شكلاً أو موضوعًا

    بتفرق! اللي بيكتب بيحس إنه شجاع، أو إنه جبنه مكنش مُبرر، إنه اتخلّص أخيرًا من شوية الدوشة اللي جواه، حتى لو لعب لعبته وما قالش كل حاجة.. واللي بيقرا بيشبع فضوله، وبيشوف نفسه، أو بيغير: اشمعنى أنا مش بكتبني كده، أو حتى بيمتعض ويقول: إيه الناس اللي بتفضح نفسها دي، وشعور الامتعاض زي ما انت عارف بيحمل ضمنًا معنى مفاده إنه هو أرقى وأعفّ!

    عن الصدق في كل ده، مش عارفة! اعتقادي الشخصي إنه مهما كنت صادق، لازم زخرف اللفظ أو المعنى هيجرّك للكذب والافتعال، ولو افترضنا تحقق الصدق التام عند اللي كتب، فتعدد القراءات مع تعدد القارئين لازم يفرز روايات محرّفة أقلّ صدقًا ربما!


    على فكرة أنا كمان مش بحب الإشراف على التعليقات، لكن لقيته أكثر تهذيبًا من مسح تعليق بعد ما ينزل :))

    ردحذف
  6. انا شخصيا بشاركك المشكلة والإحساس بيها والحيرة بنفسي وبالكلام
    وده بيبان كتير سواء في حياتي الشخصية أو على مدوناتي اللي بسيبها لفترات طويلها قبل ما انزل فيها حاجة ... أو حتى بتعليقي على البوست ده
    صدقيني الكلام بيطلع بصعوبة رغم انه جوانا يملأ مجلدات


    تحياتي

    ردحذف
  7. معاكي يا فاطمة

    بس تعرفي
    رغم إني ممكن بعد تدوينة شخصية إلى حد كبير -بالمناسبة أعتقد إن مفيش حاجة بتتكتب وبتتاح للناس وهي شخصية 100%- المهم إني ممكن أستمر شوية حلوين بعد نشر التدوينة أقول لي: إيه اللي عملتيه ده؟! ازاي تنشري ده؟!!
    لكن زي ما قلت لإبراهيم، بنبدأ نحس إننا أقوى وأشجع، وأنضج ساعات
    وفيما يتعلق بالمشكلة اللي بنكتب عنها، فاحنا مش بنعرف نكتب إلا واحنا على طريق التعافي فعلا، الكتابة هنا بتكون طريقة شفاء وعلامة شفاء في نفس الوقت

    وأصلاً أصلاً.. ليه نروح بعيد ونغرق في الخيال ونكتب حاجات خيالية، واحنا عندنا حيوات فعلية "خيالية على طريقتها الخاصة" نقدر نكتبها بحرفنة من غير ما نحطّ تنويه في الهامش: "القصة مش حقيقية يا جماعة على فكرة".

    أطلقي لنفسك العنان يا حكاية :)

    ردحذف
  8. وجهة نظري أني لو كتبت نص متماسك طويل عني، هأنحرف بيه عن الحقيقة، ولذلك أرى نقل وجهة النظر أو الشعور من خلال الجملة وليس الصورة، يضع القارئ في مكان مناسب لقراءة النص.

    حاجة كده زي:
    Paranormal activity
    طارق هلال

    ردحذف