2013-07-21

ميرا وأنا


عزيزي..
هل أخبرتكَ أني أكتب في دفتري الأبيض الآن!!
أني أود أن أسترسل في الحكي إلى مالا نهاية ... هل كان يجب أن أحيا كل تلك السنين وأن أمر بهذا الطريق حتى أصل إلى هذه النقطة.
لو أنك تتساءل أي نقطة أقصد... تلك النقطة التي حينما تعبرها تشعر أنك عبرت حدًّا فاصلًا.. أنا تغمرني السكينة ولا أدري من أين تأتي؟ ولماذا؟!

أنا أراني الآن تلك المرأة التي تجلس في شرفة منزلها تحيك الكروشيه وكأنها خارج الزمن، لم يعد يعنيني الكثير وأفتقد داخلي الكثير... لقد اشتعل القلب شيبًا... لقد هرم، هذا كل شيء.

ذهبت لرؤية تلك المرآة التي تحدثوا عنها كثيرًا؛ قالوا مستبصرة.. تخبرك عنك أكثر مما تعرف، ستفسر أحلامك وأشياء كثيرة... كثيرة. كان الطريق لها شاقًا في مكان ناء على ضفة النيل، تحت شجرة معمرة كعمر الزمان اتخذت متكأها. جلست في حضرتها التي أخذتني أول ما جلست. مدَّت إليَّ يدها لتتحسس كفي، وخزتني لمستها الغريبة واقشعر جسدي ويدها المعروقة الجافة تستكشف خطوطه.. صمتت... ثم تنهدت وقالت:
أيا صغيرة توقفي عن إطعام قلبك للغرباء، فالقلب هو زاد رحلتنا، لو فرغ القلب فكيف ستكملين؟ عابرو السبيل يأخذون ولا يعطون. يا صغيرة.. ستؤلمك أحلامك جدًا جدًا.. ستعيد إحياء الماضي وستخبرك عمن عادوا. كل الغرباء سجناء أحلامك... أطلقي سراحهم. الحلم ليس أرض الألم... الحلم ليس أرض الألم.

أيها الغريب..
لقد قابلت أحدهم... استوقفني فرحًا مهللًا أخبرته أنه غير اتجاه سيره وغير الطريق خلفي عدوًا... ابتسمت ابتسامة باهتة... تعمدت ألا أشاركه أي تفاصيل عني. تحدث بلا توقف، في عينية تلك اللمعة الممزوجة بالحنين. حكى.. وشكا.. وتأفف.. وعاتب.. ولام.. واستمعت بلا رد فعل، وسألني بغتة: سعيدة أنتِ؟
هنا اتسعت ابتسامتي وأجبت: بالتأكيد سعيدة.
سألني مشككًا: من أين تأتيكِ تلك الثقة؟
لأنك تعلم أن سعادتي ليست بيد أحد، أني قادرة على إسعاد نفسي ومن حولي، لهفتك ولمعة عينيك وشوقك الكاذب يخبرونني بذلك... وداعًا يا أنت...

قلتُ لنفسي: لقد توقفتُ عن إطعام قلبي للغرباء ... ومضيت.
 
ميرا شعبان 
13 يوليو 2013

 
الشوق الكاذب، البوح الكاذب، الكذب الكاذب.

قلتِ إنك تكتبين لي رسالة يا ميرا، وفعلتِ، وكان خطابكِ فيها للغريب، وأنا غريبة. أنتِ توقفتِ عن إطعام قلبكِ للغرباء، وأنا لا أجيد طبخ قلبي، لكنه مأكول، وإن لم تمتد إليه يد، وأنَّى لها أن تمتد.

العرافة العجوز فاحمة الشعر التي قصدتُها أول مرة؛ لم تتكلم، ربما لأنها لا تعرف حقًّا، لكنها تعرف أن "كل البنات عندهن نفس المشكلة، أنتِ طبيعية"، جديَّة الأسود الذي تلتحفه، والأسود في دمي، كانت بعيدة كل البعد عن إيهامي، ونبوءتها عن الولد الحُلو لم تكن لتتحقق، لن تتحقق.

المشكلة أن الولد الحُلو –وُجد أو لم يوجد- ليس المشكلة، صورة زفاف والديَّ داخل بروازها الضخم فوق خزانة ملابسي ليست المشكلة، الرجل الصيني الذي كان يقطِّع رجالًا صينيين عديدين في حلم الليلة الماضية وهم يصرخون بهيستيرية لا تتناسب مع كونهم يقطَّعون إلى قطع متفاوتة الـ ... الدمويَّة ليست المشكلة، أخي ينصح: لا تتخذي قرارات مصيرية حال عدم اتزانك ... ليست مشكلة، لا أجد تعريفًا دقيقًا للقرار المصيري والاتزان ... ليست مشكلة، ربهم تخلى عني ... ليست مشكلة، أنا أتخلى عنهم وعن شبح فرحتي المحتملة معهم ... ليست مشكلة.

المشكلة أن العرافة الأخرى رائقة الوجه قصيرة الشعر تطالبني بتوفير "واحد نقطة ارتكاز"، تزعم أنني سأضيع، بالأحرى هي تراني ضائعة، تراني ثائرة لا تثور، حاجَّة لا تحج، مفتونة تقف على عتبات الفتنة، متورطة لا تتورط. تتمعن في لا انفعالية انفعالاتي، تسأل: تحبينكِ؟ أجزم أن نعم، فتقول هازئة: أرى دليل الحب.

العرافات ضالات يا ميرا، والغريبات والغرباء أضل سبيلا، اسلكي نفسكِ وإن لم تصلي... هكذا أفعل.

لبنى أحمد نور
19 يوليو 2013
 

هناك تعليقان (2):

  1. كلمات مميزة ودافئة، فكرة جميلة، ونهاية رائعة..
    شكرا لك

    ردحذف