2013-09-15

رسالة إلى عزيز

 عزيزي عزيز..

لعلك افتقدتَ رسائلي، أنا فعلت. أو لعله مفهومك للرسائل هو المجروح. دعني أقرِّب لك الأمر حكايةً. الأحلام المزعجة -تلك التي من الشيطان أو ما يقوم مقامه- الأحلام التي تناوبتني ليلة الأمس، كانت ضمن السياق، ولم تشذَّ عن شتَّى منتهِباتي. يُفزعني أن أسبوعًا جديدًا يبدأ؛ مفتتح جولات جديدة في خلية النحل، غير أنه لا عسل، أو ربما هو أقل من أن يُحلِّي.

تعرف أنه كلما كان المرض مميتًا، كلما كانت الأعراض عديدة مديدة، كامتداد الحياة، والحياة لا تمتد إلا بامتداد نقصٍ ما كما تعلم، حتى وإن كانت ثمة زيادة. ما بات جليًّا هو أن الأعراض لا تظهر دفعة واحدة؛ أتبيَّن واحدها بعد آخر، يُطبق معظمها على عنقي. أنا غبية؛ أعترف، لكنني ذكية كفاية لأعلم أنني سأموت مقتولة؛ منحورة، وسيجدون أداة النحر داخلي. لن تكون حادَّة، بل ستكون متعددة الأطراف، كقبضة يد مدببة الأصابع، مكهَّفة البواطن، ستكون كعظمة من عظامي تنقلب عليّ. هي في طور ما قبل الانقلاب التامِّ على كلِّ حال، وأنا أختنقُ الهُوَينى.

يقولون: الإنسان عدوُّ نفسه. لكن، لا يبدو ذلك كافيًا، العالم لا يكفيه أن أحترق من الداخل، لا يطيق الانتظار، لا بدَّ من أن يكون له في ذلك سهم. هي أسهم كثيرة للدقة. داليا تعرف، وفرناندو، وربما صديقي أيضًا؛ ذلك الذي يكافح الغرق منذ ربع قرن، وبالكاد استنقذ أذنه؛ إحدى أذنيه، فيسمع.

لكلِّ حاسَّة عتبة؛ حواسي كما خبرتها لها عتبة تنهار عليها. لا يمكنني أن أظل أحملق في هذه الشاشة المسكونة ليل نهار، لا أحتمل صراخهم المتواصل عند شروق الشمس وغروبها، ولا ... لا، لا يمكنني أن أقول مثل ما أريد قوله عن صوت الولد الجميل، لم أملَّه قطّ، ولا أراني أفعل يومًا، حتى وإن تحوَّل كلُّ هذا الشغف -وأوقن أنه سيتحوَّل- إلى اشمئزاز مبالغ فيه، حدَّ أن تصبح كلُّ طلَّة من طلَّاته كطلب صداقة جديد على موقع اللا تواصل الاجتماعي (فيسبوك) أختلج بدايةً لمرأى الشارة الحمراء المنبِّهة إليه، أتفقده باهتمام سريع الزوال، أتمتم: غريب آخر؟ أأرجح مؤشِّر الفأرة، أنحِّيه جانبًا، وأمحوه بعد قليل.

ماذا تُراه يحدث بعد قليل يا عزيز؟ السيدة راء باقية تتساءل عمَّا سيحدث لحلمٍ تأجَّل، والحلمُ باقٍ على حاله يتأجَّل. ماذا إذن؟! أفكاري المتوحِّشة تؤجِّل التهامي، هل يعني هذا أنها لن تأتي على كلِّي يومًا؟ أعني بعد أن يدقَّ عنقي عنقي! أو ربما قبل ذلك بزمن.

لعلَّك تترقَّب الآن عبارتي المعهودة؛ "أنا خائفة". للحق، الوصف لم يعد يدلُّ يا عزيز، وأنا لستُ خائفة، ليس من الحصافة أن يخاف أحدٌ من مخيف متكرر ليس في نمط تكراره إبداع. الأزمان السوداء تعيد نفسها، كما يعيد الماءَ إلى المحيط المطر، غير أن الزمن يلعب بالنار والرمد.

أشياء حقيرة ربما تكون قادرة على تحسين مزاجي قليلًا. والبنت الصغيرة داخلي لا ترى بأسًا في التمتع بقليل من المزاج المحسَّن لقليل من الوقت، قبل يوم النحر بالطبع. لكن العالم الأكثر حقارة لا يسمح لي، وأنا -مشغولةً بمعركتي الداخلية- لا أجادله، ليس عن ضعف مني -وإن كنت ضعيفة- ولكن لأني أمارس وأشيائي لُعبة التعالي، وهذا لعمري ليس من الفطنة في شيء. في الواقع يا عزيزي، أنا أصغر من أشيائي الصغيرة، ولا أسعى سوى إلى سلام يجمعنا، قبلما نرحل جميعًا.

على صعيد الرفقة، هل ترحل معنا يا عزيز؟ سأدخر لك نصيبًا من ضحكة رائقة لم يفترَّ عنها ثغر. أعدك؛ سيكون المنفى أقلَّ ضراوةً من الوطن، ولن يكون الوجود محيِّرًا حدَّ أن تأكلَ نفسك ليَشبعَ السرخسُ الطافي، ويأمنَ الربُّ ثورة العبيد.

هل تأتي يا عزيز؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق