2013-09-21

عن التخلي مقصودًا وغير مقصود

العزيزة آية..

لعلي أبدأ بمكاشفتكِ بأحد أسرار اللعبة. أكون مُعبَّأة عن آخري، لكن بما لا يكفي للانسكاب. ليس الانسكاب الملائم لرسالة قابلة للكتابة/ للقراءة. غالبًا ما أكون على الحافة عندما أتلقى رسالتك، أو رسائل أصدقائي الطيبين. يكونون طيبين ما لم يقتربوا كثيرًا -تعلمين هذه. لكني أؤجل رسائلي إليهم إلى آجالٍ لا أسميها ولا أملك تسميها.

ويحدث أن يباغتني شيطان التجرد، فأفتش سريعًا في رسائل أصدقائي الطيبين البعيدين، أبحث عن رسالة يتناسق عُريها مع عُري رسالتي المزمعة. أو الاكتساء. نحن مردومون تحت طبقاتٍ وطبقاتٍ من الأسمنت وثاني أكيد الكربون على أي حال.

ما غطيته في رسالتي إلى عزيز -مثلًا- لم أكن لأرتديه في رسالة إليكِ أو إلى عدنان. ما تحدثتُ عنه ما كان ليفهمه سوى عزيز. عزيز ليس له وجود، وهذا ما يجعله الأكثر مناسبة قطعًا.

البكاء يا آية. أهو قرين قوة أم ضعف؟ أظنني سمعت الولد في الفيلم يقول: الضعفاء يتحولون إما إلى عدائيين أو إلى سلبيين. أظنني أجبتُ أختي عن سبب بكائي: قتلَتْهم. وأسررت: لكني لا أستطيع أن أقتلهم. لا أريد.

أتعرفين ماذا كانت جريمتهم يا آية؟! لقد تخلوا عنها. قال واحدهم بعد الآخر: سأذهب، لكنكِ غير مسموح لكِ بأن تأتي معي. سأذهب، وستظلين وحيدة. ستقتلينني، وسأظل أطاردكِ كما لو كنتُ أنا قاتلكِ. ستموتين خوفًا ووحشةً، لكنكِ ستتناولين ذات الحجر، تهبطين به على رأس أول من يخبركِ بعدي بأن لا مكان لكِ إلى جواره في الحافلة المنطلقة بعد قليل. سأرحل الرحيل الأخير، لكنه سيكون رحيلكِ الأول دائمًا، وستتجرعين في كل مرة المرارة الأولى.

لعلكِ لاحظتِ أن الحظَّ حالفني هذه المرة، فلم اضطر لتزجية رسالتي إلى عزيز أو إلى أحمد-إكس أو إلى أي غريب آخر. كنتِ تتحدثين في رسالتك الأخيرة عن التخلي، فوافق حديثكِ جنون كيتي التي ذهب بعقلها التخلي.

سألتِني أن أحدثكِ عن الأشياء التي لا نملكها وتملكنا. أنا لا أملك التخلي عنهم يا آية، وإن لم يفهموا ما أعنيه.

ربما كان فتى الحلم أيضًا لا يملك الخروج من وهمه. ربما لن يهتدي إلى راحته أبدًا، ولن يتوقف عن تدخين القصائد، وإطفاء أعقاب الكتب المحترقة في قلبه ورئتيه. ربما تصيبه رصاصة انعدام الأمن، فينضج جرحه، ويُكشف عنه الغطاء، فلا يعود يرى شيئًا. ستكون تلك حجة جيدة عند المساءلة: لماذا تنظر ولا ترى؟

أنا أيضًا أنظر ولا أرى. أستطيع أن أتفهَّم إذن. وأستطيع أن أتبادل وإياي نوبتيْ حراسة ذاكرة التخلي، وأخبرهم: أنا حقًّا بخير. لكن البوابات ليست. لن يدخل أحد، ولن يخرج أحد. سأقتلع المداخل والمخارج، وأخرجني قبل أن يخرجوا. ولن أقتلهم.

هناك تعليقان (2):

  1. شيطان التجرّد..
    أتجنبه كثيراً لأن مباشرتي ستجعل منه إله

    مؤثّرة
    :)

    ردحذف
  2. غريبة. كثرة المونولوج الخاص جداً تجعلني أنتظر ربما أجد ما أقول. تحياتي وتقديري.
    د. محمد زكريا الأسود

    ردحذف