2013-12-19

تفتكر الشمس بتصدَّق؟

ممكن تقول للشمس ما تغيبش؟

كل يوم بشوف الشمس -أحيانًا- ساعة في أولها ونص ساعة في آخرها، والاتنين شبه الغروب، أو بالأحرى شبه نهاية العالم والحزن الشديد مخلوط بعتب.

تفتكر الشمس اللي بتغرب بتحس بالوحدة أكتر من الناس الوحيدين اللي بتغرب عليهم؟

لما بصيت لظلالي الكتير اللي كانت حواليا امبارح وأنا مروحة البيت، فكرت إنها وحيدة أكتر مني، وإنها مش عارفة ترجع للشجرة اللي اتقصفت منها، زيي مش عارفة أرجع وطني، ومش عارفة فين الوطن.

والشمس، بتعرف لما بتمشي، تدور وتدور حوالين نفسها وحوالين الوجود الأكبر منها ومش قادرة تتخلص من تأثيره عليها، الشمس بتكون عارفة المنتهى؟ هتوصل لإيه في الآخر، وهيكون فيه حد مستنيها عند خط النهاية ولا لأ؟!

أنا مفيش حد هيستناني، بالأحرى مفيش حد عارف إني بدور وبدور والدورة مش بتكمل إلا بالوقوع الشبيه بكل المرات اللي لويت فيها رجلي وكنت هفتفتها حتت صغيرة بعدد النجوم اللي ببقى باصة فوق للسما أدور عليها ومش بلاقيها، ولما بيطول بصصاني والشاشة لسة سودا، مش بلاقي بد من إني أكلمه أخيرًا: أنا عارفة إنك مش موجود، ولو كنت موجود كنت هتعمل إيه يعني؟ أنا حتى بطلت أدور عليك، بطلت أتمناك، وبطلت أعتبرك فكرة كويسة، لكني لسة مصممة إنك سبب الفراغ الكبير والموحش ده، وإنك كان بإيديك متتخلاش واتخليت.

تفتكر سبب من أسباب حزن الشمس هو إنها عارفة إنها بتتخلى ومش عارفة تعمل حاجة عشان تفضل ويفضل الدفا؟

لسبب ما بحس إن الشمس مش بالذكاء ده، الشمس ما بتسألش، يمكن عشان عارفة إنها لو سألت مش هتلاقي إجابة، ولو نكشت الكون كله على مبررات وتفسيرات حقيقية مش هتلاقي. يمكن ومع إنها بيتضرب بيها المثل في الوضوح عمرها ما شافت في رحلاتها حاجة واضحة ولا عرفت حقيقة. اممم يمكن يكون ده ذكاءها، إنها فاهمة حقيقة إنه مفيش حقيقة، وواقع إن مفيش أمر واقع بجد، ومش بتكرر ورا عمر فاخوري، كان هو تقريبا اللي قال: تبًّا للأمر الواقع. تبًّا ليه يا عمر؟ قول تبًّا لحاجة موجودة، مش لوهم.

تفتكر الشمس كمان بتيجي عليها لحظة في دوامها الرسمي وتتساءل عن الوهمي وغير الوهمي؟ وتقرر تحتجب عن نفسها في نفسها لغاية ما تحصل حاجة واحدة تثبتلها إنها مش صنيعة خيال رسام أو شخص معملي مهووس أو حد صغير بيستمتع بالنظر لفوق لحاجة أكبر؟

الأسبوع اللي فات مريت بلحظة وهم، خلتني عاجزة عن التعامل مع زحمة الحقايق بتاعة كل يوم، وكان لازم أروح أطوف بمكان مش حقيقي يناسب اللحظة. جامع السلطان حسن، أو خلينا الأول نقول السكشن الرأسي للفراغ اللي بينه وبين الرفاعي، ليه كان لازم تكون الأبعاد بالضخامة دي؟ إلا لو كانت دي الطريقة الوحيدة للحصول على أكبر قدر من السما في قبضة واحدة. في فترة ما كنت بشوف حتمية الانبهار بأي معبد ديني، بناء ضخم يجبرك على الخشوع ولو كنت جبار، مكان مش معمول غير عشان معبود أضخم وأجلّ. في حضرة السلطان، ظهر التساؤل: القدسية قبل المبنى ولا المبنى قبل القدسية؟ كانوا خاشعين فحولوا الشعور المحسوس لملموس، ولا خلقوا الملموس لأنهم مكانوش قادرين يحسوا؟ كانوا بيتمنوا يحسوا؟ يلمسوا إحساسهم ويحولوه من فكرة لبدعة؟ كله محتمل. بصيت للسما الواقعة بكل جلال في صحن المسجد وملقتش بين سحاباتها الكثيفة جواب، لكنها كانت رحيمة. بصيت في نسخ المصاحف القديمة اللي هناك، وشُفت الصبر على رسم الحاجات العظيمة حرف حرف ونقطة نقطة. ملقتش حاجة معايا أقراها غير نسختي الوحيدة من كتابي عن الحلم لا يؤلم، الحلم اللي مبيوجعش. أختي دايمًا بتسخر من انهماكاتي الكتيرة في قراية حاجاتي: "بتقرا اللي هي كاتباه بنفسها". أختي متعرفش إني بعيد القراية كل مرة على أمل إني أفهم، إني أشوف الجديد اللي في القديم ولبنى اللي بتقدم كل لحظة عن اللحظة اللي بعدها.

تفتكر الشمس كمان بتقدم؟ مش بمقياس الفلكيين وبتوع الفيزيا والكيميا، الشمس بتحس بالوقت؟ ولا بتنفصل عنه مع انفصالها عن الواقع زيي؟

الحلم اللي مبيوجع فصلني عن الواقع في القراية المش عارفة رقم كام دي، وفيها تحديدا ظهر لي سؤال جديد. هو عمره هيكون فيه فتى أكتب عنه بكل الشغف اللي كتبت بيه عن الفتى الحلم؟ وأتوهم بيه وهمي بيه؟ هيكون فيه حد حقيقي تاني أحوله لوهم وأعيشه للحد الأقصى ثم أكفر بيه للحد الأقصى ثم يصبح مش مهم؟ آه هو ده نسقي العام: مصدقة، مش مصدقة، مش مصدقة بس نفسي أصدق، مش مصدقة بس مش مهم، مش مهم. لكن: هعرف أروح للذروة دي تاني؟ ولما رضوى تسألني عنها أرد: ده حد حقيقي آه، شفته مرة صدفة، ولقيتني بحلم بيه كتير، مجرد أحلام، وكل ما أحلم حلم أكتبه. وكشخص مش واقعي بصدق اللي بكتبه، ثم ينفصل المكتوب عني، ويبقى بينمو لوحده، يشب ويزدهر ثم يشيخ، ثم يموت، ثم أدفنه، وأبطل أحلم، وتكون دي نهاية كويسة مقارنة بإني أروح للشخص النواة؛ نواة الوهم ده كله، أقول له: بص، أنا عارفة إن ده كله مش انت، وإنك مش مسؤول عن كل الأحلام والتخيلات دي، لكن عايزاك تعرف إنه -قال إيه- انت الحلم، مش انت انت يعني، بس انت الفتى الحلم، أو بعضه على الأقل، وأنا ممتنة للغاية وأكتر مما تتخيل، ومش عايزة حاجة، لأني عمري ما عزت حاجة.

تفتكر الشمس بتعوز تبرهن على إيه كل شروق؟ إن لسة الخيط الأبيض في إيديها؟ وإنه لسة متقطعش؟ ولا بتكون عايزة تثبت لقوى تانية إن ليها سهم في الواقع حتى لو مكنش واقع أوي؟

لما قلت لهدى بعد نهاية الفيلم في نهاية يوم قراءة الحلم للمرة المبعدهاش إني كنت مستنية اللحظة اللي هيعلن فيها بطل الفيلم عن إنه هو نفسه مش حقيقي، قالتلي إن اللي بقوله خيال شعراء. خيال الشعراء هو إني أقرا بطلي اللي خلقته في الحلم وتمثل في الواقع (صباحًا) وأشوف البطل اللي كتب حبيبته في الحلم وصحي لقاها في الواقع (مساءً). روبي كانت بفستانها الربيعي في حديقة الحلم، ثم كانت على الورق، ثم بقت بتحزن وتفرح وتتعلق في خالقها وتبعد عنه وتغنيله وتبكيله بدَقِّة صوابع الرب على الآلة الكاتبة. كانت كاملة معظم الوقت، وكان هو ناقص في المقابل، وكان لازم عشان يكتمل يطلق سراحها: بمجرد ما تخرجي من هنا مش هتكوني قصتي، هتكوني قصتك، أو قصة الكون العبثي اللي مهما بلغت عبثيته مش هيكون زي حد بيحلم وبيصدق حلمه.

هناك 14 تعليقًا:

  1. "أقول له: بص، أنا عارفة إن ده كله مش انت، وإنك مش مسؤول عن كل الأحلام والتخيلات دي، لكن عايزاك تعرف إنه -قال إيه- انت الحلم، مش انت انت يعني، بس انت الفتى الحلم، أو بعضه على الأقل، وأنا ممتنة للغاية وأكتر مما تتخيل"
    :)
    الفقرة دي بجد من أجمل ما قرأت مؤخراً

    يكرمك ربنا ويعلي مراتبك ما تبقيش تغيبي علينا تاني في كتاباتك العامية ، راعي إن فيه قراء زيي يا دوب بيفكوا الخط :)

    وبالمناسبة صح أحب أشكر حضرتك جداً على دروس فولو مي في اللغة العربية في المدونة التانية جزاك الله عنا كل خير :)

    ردحذف
    الردود
    1. الشكر ليك يا أستاذ شريف
      بعتز برأيك جدًا :)

      حذف
  2. انت الشخص الوحيد اللي هيكون وحيد في الجنة ، وده هيكون بالنسبة لك النعيم.

    ردحذف
    الردود
    1. بيقولوا الجنة من غير ناس ما تنداس

      حذف
  3. وحشتني كتاباتك يا لبنى .. تدوينة جميلة و مليانة مش عارفة أقولك ايه و لا ايه اللى عجبني ..
    بص، أنا عارفة إن ده كله مش انت، وإنك مش مسؤول عن كل الأحلام والتخيلات دي، لكن عايزاك تعرف إنه -قال إيه- انت الحلم، مش انت انت يعني، بس انت الفتى الحلم، أو بعضه على الأقل، وأنا ممتنة للغاية وأكتر مما تتخيل، ومش عايزة حاجة، لأني عمري ما عزت حاجة.
    يخربيت كده ! :)
    سلمت يداك يا لبنى

    ردحذف
    الردود
    1. آية :) انتي كمان واحشاني وواحشني أقرالك
      متغيبيش عن مدونتك كتير :)

      حذف
  4. دخلت المدونة عن طريق الصدفة، ولكني ساتابعها عن قصد.
    اسجل إعجابي.
    تحيتي و مودتي.

    ردحذف
    الردود
    1. أهلًا آمال
      سعيدة بتعرفي على مدونتك أيضًا :)

      حذف
  5. هييجي ؛ بس هنخاف نصدق انه بجد ... سيبي الحلم شويا يا لبنى عشان الحقيقي لما ييجي ما نقلوش : خلصنا كل اللى عندنا في الحلم بيك و تخيل انك مش جاي "
    هييجي :)

    ردحذف
    الردود
    1. هفضل فاكرة الكلمة دي :)

      حذف
  6. كل سنة وحضرتك طيبة وبألف خير وصحة وسعادة ورضا وراحة بال وسلام وإن شاء الله يكون عام جديد سعيد عليكي وعلى أسرتك الكريمة وتحققين فيه كل ما تتمنين
    :)

    أطيب تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. وحضرتك بكل خير :) شكرًا جدًا

      حذف
  7. ظهر التساؤل: القدسية قبل المبنى ولا المبنى قبل القدسية؟ كانوا خاشعين فحولوا الشعور المحسوس لملموس، ولا خلقوا الملموس لأنهم مكانوش قادرين يحسوا؟ كانوا بيتمنوا يحسوا؟ يلمسوا إحساسهم ويحولوه من فكرة لبدعة؟ كله محتمل. بصيت للسما الواقعة بكل جلال في صحن المسجد وملقتش بين سحاباتها الكثيفة جواب، لكنها كانت رحيمة. بصيت في نسخ المصاحف القديمة اللي هناك، وشُفت الصبر على رسم الحاجات العظيمة حرف حرف ونقطة نقطة.

    الله يا لبنى عجبتني جدا ^_^
    بالتوفيق :))

    ردحذف