2013-03-30

حكايةُ المذعور

ستظلُّ مضطجعةً على شقِّها الأيسر،
ضاغطَة.
سيظلُّ ممدّدًا خلفَها،
ممدودًا،
شاخصًا ببصرهِ إلى السقفِ المائجِ..
الممجُوج.

... ... ...

في الحكايةِ غيرِ المتداوَلةِ..
يغيّرُ الذي...
«لا ينبغي ذكرُ اسمِهِ»
سلوكَهُ،
تِبعًا لمؤشرِ الذعر.

عندَ الدرجةِ الخامسة..
تكونُ مضطجعةً على الماء،
يكونُ خلفَها،
مُحدِّقًا في بقايا عينيها المنطفئتين.
والجنيّاتُ حولَ البحيرةِ،
في الأَوْجِ..
تتوهّج.

عندَ الدرجةِ الثالثة..
تكونُ مضطجعةً على ظلّها الخام،
متساقطةً.
يكونُ حالًّا في عظامِ ظهرِها،
يحتضنُها،
ويُربّت.
العناكبُ في مواقعِها،
تغزِل.
الصمتُ في العاصفةِ،
يزوم.

عندَ الدرجةِ الثانية..
تكونُ مطويةً،
منطويةً علَى...
مستَغرَقةً فِي...
مسكونةً بالكابوسِ الساري.
مخلوقاتُ الأرَقِ،
ترتدي صخبَها القديم.
يكونُ... واجمًا.

عندَ الدرجةِ الرابعة..
لا تكونُ.. لا يكونُ.
شيءٌ ما..
يتكوّن.

عندَ الدرجةِ الأولى..
المذعورُ..
يشخصُ ببصرهِ إلى...
يتَشخَّصُ،
كـ لا أحدٍ.
ويتوقّفُ... عن التربيت.

2013-03-28

عن المشكلة؛ جزء منها

الحاج عصام مات، فعلا؟!
من يومين كان القمر بدر كامل في السما، كنت على ارتفاع ببُصّ لتحت، أراقب اللي أقدر أراقبه، وأهمس بصوت عالي لأختي كتفها فـ كتفي:
- هو ازاي الحاج عصام مش موجود؟!
- الحاج عصام!
- آه.. ليه مش موجود؟!

لسببٍ ما، أو من غير سبب، الكلام الجاي ده عايزة أخاطب بيه روز. ولمن لا يعرف، فـ روز هي بنت جميلة، وبتكتب حلو، بتكتب لنفسها غالبًا، بتسمح لنا نقرا ساعات، وساعات نكتب لنفسنا معاها. مش هعرف أشرح، لكن أقدر أقول إن "يرجع الصوت المسافر" أو "في برزخ الصمت" سابقًا، مكان من الأماكن الأكثر تحريضًا لحد شبه لبنى على إنه يبطّل يبقى شبهها، أو بالأحرى إنه يبدأ يبقى شبهها أكتر؛ لبنى الحقيقية.

لوقت طويل يا روز، أو خليني أقول لعمر طويل -وقد أصبحتُ عجوزًا يعني- كنت مقتنعة تمامًا إني بحب أكون لوحدي، وإني فعليًا مالية عليّا حياتي، فلما يقولوا: "ومن صفاتِ برجِ الدلو أنه اجتماعيٌّ ويحبُّ الناس"، لازم أومئ إيماءة خفيفة: "فعلاً، عندهم حق، الأبراج دي كلام فاضي، قال ناس قال!".

فين المشكلة؟! المشكلة إن ده اتغير، مستمر في التغير بطريقة مرهقة. المرهق مش إن "غير الاجتماعي" تحوّل بدرامية مبالغ فيها إلى "اجتماعي"، لأن ده محصلش. اللي حصل وبيحصل شيء تاني مختلف. مختلف ازاي؟! هحكيلك يا روز، شوية.

زي مثلاً لما رُحت "الفن ميدان" السبت الـ قبل قبل اللي فات، لوحدي طبعًا. في الأول كنت ببصّ في الوشوش -اللي بتزيد كل شوية وشّ- بحثًا عن وشّ مألوف، مفيش. الوشّ الوحيد اللي كنت عارفاه، رُحت سلّمت عليه؛ "ازيَّك"، "ازيِّك"، معرفنيش، رغم إننا التقينا من كام سنة، وكالعادي بتاعي، متبرعتش بإني أفكّره.

رجعت أدوّر تاني، وتاني، متوقفتش عن التدوير، وفي الأثناء، تدريجيًا بقيت حاسّة إني أعرف الجموع دي كلها، حسّيت بألفة، بإن "دول كلهم بني آدمين، كلهم حلوين ودافيين". كنت بعدّي على العارضين ترابيزة ترابيزة، أبتسم: "ازيكم"، أتفرّج، أتفرّج أوي، أبتسم: "شغلكم جميل"، وأمشي.

شغلك جميل دي فكّرتني دلوقتي بحاجة، بالممرضة الفلبينية -على الأغلب- اللي ابتسمت لها نفس الابتسامة، وقلت لها حاجة زي: you're doing a great job.. لكن.. انتي عارفة يا روز، لما الأمر بيتعلق بالأردية البيضاء وريحة الديتول، الـ"جريت جوب" مش دايمًا بيكون كفاية، حتى اسألي لبنى الصغيرة وهي تقولك، أو متقُلش.

نرجع للشيء المختلف.. عارفة فيه كام واحدة صاحبتي أكّدت عليها أكتر من مرة: "أنا فاضية كل يوم من الساعة كذا للساعة كذا، عايزة أشوفك"؟ حتى لو أنا مش فاضية! وكام مرة كنت عايزة أعمل إعلان عملاق: "أيوة، أنا موجودة أهو، انتو فين؟"، مع إني عارفة إنه من الوارد أكون مش موجودة أوي، ممكن اللقا يصادف اللحظة اللي الزرار فيها مطفي عندي، فمعرفش... أو ببساطة أسكت كتير، لأن اللحظة لحظة فراغ تام، مفيش حاجة تتقال.

الحاجات اللي المفروض متتقالش بقت بتخنقني أوي يا روز. لكن، القول مقدور عليه، أنا مش بقول كتير بطبيعة الحال، ولعمر طويل -أيوة هو نفسه العمر الطويل بتاع العواجيز اللي اتكلمت عنه فوق- كنت مقتنعة إني مش بعرف أقول أصلاً! لكن كمان مطلوب مني مكتبش؟!

إنه، ازاي ممكن أمنع نفسي من الكتابة عن كل ده؟! عن كل الحاجات اللي اتغيرت في السنتين اللي فاتوا. لما كل الحاجات الـ قبل بتبان لي بعيدة أوي، تاريخية، النوع ده من التاريخ اللي بتحسّي نفسك براه، مش مرتبطة بيه عضويًا، فاكراه لكن مش حاسّاه، لما كل ده يبان بالأبيض والإسود، والولد البعيد "المؤلم" -هو بس- وكل شيء ليه علاقة بيه -حتى الولد التاني اللي بييجي كتير في الحلم- يبان ملوّن، أصلي، وممتدّ.

عارفة إني مش أنا، اتغيرت، بقيت واقفة جنبي، بحبني، بفهمني، لكن، لسة فيه حاجات كتير مش قادرة أفهمها يا روز. من يومين كنت ببصّ في عينيها واحنا بنرغي، وبعدين قلت: "عارفة إني عمري ما بصّيت في عينين حد غيرك يا إيثار؟"، ولا حتى عيون الولد البعيد يا روز.
تفتكري لو كنت بصّيت كنت فهمت؟!

2013-03-24

إلى نون

الرفيقة نون..
حذرتك!
سيكون هذا كئيبًا، وأنا لا طاقة لي، مع كل هذه الكآبات التي لي، بالأحرى عليّ.

عليّ ذنب.

حسنًا، تبدو وكأنها ذنوب كثيرة، هذا إذا ما سلّمتُ بأن العبارة: أنا مذنبة، تعبّر عمّا أحاول بسطه/تبسيطه هنا. من جديد -وكما هو الحال دائمًا وأبدًا- الأمر ليس بسيطًا، وأنا -ببساطة- أشعر بالذنب لتبسيطي إياه. يا لي من ساذَجَة!

تفاديًا لما أريد أن أتفاداه، لن أغير مسار الرسالة لأمحو "الذنب"، لكنني لن أفسّر لأني لستُ مُطالبَة، وأنتِ لا تطالبينني بالتفسير يا نون، أظنني أخبرتكِ بأني أحبّ ذلك فيكِ، لا ترغميني على تبديل قلبي إذن.

نعم، القلب يتبدّل، لا الشعور، أظنكِ تعرفين هذا. لكنكِ...

لا، لن أخُضَّ رأسي لأبحث فيه أو خارجه عن أشياء لا تعرفينها لأخبركِ أنكِ لا تعرفينها. الطبيعي أن الإنسان الطبيعي لا يعرف. المعرفة استثناء يا نون.

عمّ أثرثر إذن؟! عن زوال الترقب، تواصل الخوف والهرب، عن الفرح -نعم، الفرح، حقيقي، يحصل، فعلاً، ويُحلّي- عن الرسالة غير المكتملة، الرسائل غير المُقتـرفَة بعد، عنهم، بكل استغنائي عنهم، عن عدم التماسي الاكتمال بهم، عن "أنا كاملة، أنتم كاملون، لنتشارك كمالنا بعفوية"، عن العفوية يا نون.

والسؤال: ما الذي يمنع مصافحة عفوية من أن تكون امتزاجًا عفويًا؟ وعلى صعيد آخر، من أين للواحد بكل هذه القدرة على التخريب؟ كيف يخرّب الواحدُ الواحدَ بمجرّد كونه نفسه؟

2013-03-23

خطاااب (تنهيدة)

عزيزي المذكورَ في نفسي..
تنهيدةٌ رغيدةٌ..
أما بعد..

هل تذكر؟ هل تُمرّنُ القلبَ على النسيانِ كما أفعل؟

أُفّ.. نسيت! تلكَ اللعنةُ المُلازِمةُ تصيِّرُ استفهاماتي جملاً خبريّةً لا أملكُ إلا مبتدءاتِها. أمّي كانت تحوزُ الكلامَ كاملاً؛ يَنحازُ إليها. كانت تطالعني: "أنتِ"... تصمتُ تتأمّلني: "جمـيلة".

"أنتِ جميلةٌ"، هي ذاكرةٌ كاملةٌ وقلبٌ ممتلئ. ماذا عنك؟ أمازلتَ فارغًا؟.. فارغًا منّي؟!

أعودُ لأسأل! وأنا أعلمُ أنكَ لم تعُد تتمثّلُ لي رِداءً يشدُّ أحلامي عليَّ ليلاً، يحجبُها عن عيونِ اللا تحقُّقِ نهارًا. أنتَ لم تعُد تقرأُ ظلّي، ولا تشاركُني محوَهُ ورسمَ الوجوهِ الضاحكةِ والكائناتِ الغرائبيةِ المجنونةِ بدلاً من كآبتِهِ وسوداويَّتِه. لم تعُد النهرَ ولا المطرَ ولا السحابَ الثقال، بل أنتَ غريقُها جميعًا، تاركًا لي متَّسعًا موحِشًا من الغرقِ في المحيطِ المالح.

سؤالٌ خبريٌّ أخير: كيفَ أغرقُ فيكَ وأنساكَ في آن؟!
ربَّما أكتفي بأحدِهما، وبعضِ تنهيدة.
22 مارس 2013

2013-03-16

للمساعدة اضغط الرقم صفر

- لستُ نادمةً يا حبيبي.

- الندم هو أن لا تكوني نادمة، هو أن لا تمتلكي من الصفاقة ما يكفي لتتمني العودة إلى هناك، إلى الوطن.

- الوطن؟ ماذا تعرف عن الوطن؟ الوطن هو دفء الحضن الأول، هو الصوت الذي يخرج منك فيدخل فيّ ويتردد، هو التردد في المكان والزمان، هو ما تنمو على حوافه الحياة.

- الحياة يا حبيبة هي ما يفتقده جسد حيّ مقصيّ عمن يحب، الحياة هي أن أموت في وطني محاطًا بذراعيكِ. أنا لم أعد أذكر كيف هي الحياة في الضمّة.

- أنتَ لا تريد أن تتذكر، لكن الذاكرة لا علاقة لها بما تنساه ولا بما تتعمد نسيانه، الذاكرة كائن مستقل، يعود إلى مستقره مهما غيّبه عن العين الزحام، ويحلو له العبث بالموقد والمقادير كلما ظننت أن بإمكانك أن تطبخ السعادة على هواك، كلما ظننت أن السعادة في النسيان.

- بل السعادة في عينيكِ، وعيناكِ في البلد البعيد، وأنا شقيّ، شقيٌّ جدًا.

14 مارس 2013

2013-03-14

عن الترقب.. رسالة إلى آية

صباح الخير يا آية :)

صباح الترقب الطيب.. أقول "الترقب" وليس الانتظار. في معجمهم يقولون: ترقّبَ الرّجلُ، انتظرَ ما يحصلُ لهُ من فَرَجٍ أو مكروه. في معجمي: ترقبت لبنى، عرفت أنه سيحصل الآن، ما الذي سيحصل؟ محبب أم كريه؟ هذا ما قد لا تعرفه لبنى أبدًا، ولن تنتظر لتعرف.

لدي مشكلة الموضوعات المحروقة، من المستبعد بشدة أن أتحدث إلى عدة أشخاص عن الموضوع الواحد بنفس الطريقة ومن ذات المنطلقات، وكذلك أن أكتب عن شيء ما فأتسبب بإماتته ثم أعيد إحياءه بكتابته من جديد. حادثت إبراهيم بشأن الترقب، وكتبته "الترقب والحديث" في رسالة إلى سوزان لم أرسلها لها بعد... لماذا أعيد "الترقب" عليكِ الآن؟

هناك صلة ما بين آية وبين الترقب، صلة لستُ واثقة تمامًا مما إذا كنتُ أستطيع شرحها. ربما يجمع بينكما احتمالية الحدوث، حتميته في نظري. شيء ما فيكِ يبدو آزفًا دومًا، برغم هدوئكِ المحسوس. فضلاً عن أنكِ من الأشخاص المترقبين بامتياز، تتحينين الفرص للفرح، تراقبين أفعال من حولك وردود أفعالهم، وحتى أفكارهم وخيالاتهم. وتنتظرين.

يبدو لي أنكِ -على العكس مني- تعرفين ما تنتظرينه. تخافين وتتوجسين، لكن أملاً ما وأحلامًا تعتنقينها تجعل انتظاركِ للأشياء محتملاً، لائقًا ونبيلاً. أنتِ مؤمنة، وهذا ما يمنحكِ بعض الأمن.

أما ترقبي الذي بلغ ذروته مؤخرًا، فيغلب عليه طابع من العبثية، ارتباطه الأساسي هو بالمفاجأة من حيث أنها خلاف ما أتوقع، من حيث أني لا أتوقع شيئًا، من حيث أن الأشياء ليست إما جيدة وإما سيئة، لا أنتظرها، بل ربما ألاحقها أو أدعها تلاحقني، لا يهم كم ستفاجئني، هي فقط ستحصل الآن، وحالاً.

*رسالة آية المقابِلة تجدها هناك.

2013-03-13

سأكتب عن الترقّب يومًا ما

- كيف باحاتُكَ الآن؟
- متغيّرة.
- من ...؟ إلى ...؟
- من الترقّبِ إلى الترقّب.
- أيهما ...؟
- الغفوةُ بينهما، والفراغ.

* سأكتبُ عن الفراغِ يومًا ما.

2013-03-09

حان الوقت

أفسحْ مجالكَ لكلِّ شيء
فما هي إلا مسألةُ وقت
حتى نطيرَ
بسرعةٍ
فلا يمكننا التوقف

لكن.. نحنُ نحلّقُ هناكَ بالفعل
أليس كذلك؟

خذْ نفسًا عميقًا
فما هي إلا مسألةُ وقت
حتى تنفدَ حصّتُنا
منَ
الهواء

لكن.. الهواءُ شحيحٌ بالفعل
أليس كذلك؟

راقبْ حركةَ شفتيّ
فما هي إلا مسألةُ وقت
قبلَ أن يُحالَ بيننا
وبينَ رؤيةِ
أحدِنا الآخر

لكننا.. بعيدانِ أحدُنا عن الآخرِ، بالفعل
أليس كذلك؟

قلها مرةً واحدةً بَعد
فما هي إلا مسألةُ وقت
قبل أن
يتعذرَ عليَّ
سماعُك 

لكن.. صوتُكَ خافتٌ بالفعل
أليس كذلك؟

تحسَّسْ قلبي
ينبض
فما هي إلا مسألةُ وقت
قبل أن
نفنى كلانا

لكن.. أنا أذوِي سريعًا، بالفعل
أليس كذلك؟

نحنُ نحتاجُ الوقت
الوقتَ لنتنفس
الوقتَ لنرى
الوقتَ لنتكلم
الوقتَ لنصغي
الوقتَ لنشعر

بُحْ بما لديك
غنِّ
اصرخْ
فما هي إلا مسألةُ وقت
قبلَ أن
أسمعَك

قبلَ أن
أراك

قبلَ أن
أحسَّك

قبلَ أن
يكونَ باستطاعتنا
أن نحبَّ
من جديد

وأوانُ ذلكَ هوَ الآن.

_________________________________
النص الأصلي لـ جيسيكا ر.
ترجمة: لبنى أحمد نور

*بجرب أعمل حاجة جديدة، ويهمني رأيكم.. كمان لو ممكن حد يرشح لي نصوص شعرية أو قصص قصيرة جيدة أقدر أكرر معاها التجربة. ونشوف!

2013-03-08

صباح الشمس في عينيك

أرى الشمس
وهيَ البعيدةُ في الأفق.
لا أرى عينيك
وهما السحابتانِ السابحتانِ
الحجابُ الذي عليّ أن ألتفَّ عليه
كلما اعتراني فضولٌ مُتملمِلٌ لرؤيةِ الأشياء
أيِّ شيء.

2013-03-04

إلى أحمد في عيد ميلاده

عزيزي أحمد..
قبل عشرين يومًا كانت الذكرى السادسة والعشرون لميلادي. ماذا عنك؟ هل تشعر بأنكَ الآن كبير بما يكفي؟ لم يعد باستطاعتي الاكتفاء، لا الخوف يكفيني ولا التوق، اللا نهائية ذاتها لا تكفي.

لا أدري كيف سيبدو ما أحاول أن أكتبه هنا، لكنني أريد تحريره/تحريري على كل حال. أتساءل: هل تكون الأمور أقل تعقيدًا عندما يكون الحمل داخل الرحم؛ لا خارجه؟

أنا واحدة من أولئك الأمهات اللاتي لم يعرفن المخاض الكبير، عوض ذلك أعيشه كل يوم، وقلّما أحظى بفرصةٍ لضمّ مواليدي. منتزعوهم مني، ألا يدركون أنني من تُنتزع؟!

"هي" ابنتي الأولى، هي أمّةٌ من المواليد مغمّسين في غبار النجوم، هي نجمي. الطفلة التي كنتُ ألعبُ معها لُعبة "أنا في رأسك، معكِ أينما تكونين" وتصدقني، تلك الطفلة كانت -وكأنها هي- تنظر في عيني بالأمس تحاول تصديقي أبوح لها:
لستُ في رأسكِ يا صغيرتي، لستُ معكِ أينما تكونين. لو كان لي أن أعيش يومًا في جسد أحدٍ غيري، ليوم واحد فقط، لاخترتك، لأرى وأفهم. قد لا أرى، قد لا أفهم، لكنني كنتُ هنا، أنا هنا الآن، وأريد أن أكون هنا -أحمي ظهركِ- للأبد. الأنانيون وحدهم يتمنون مفارقة الحياة قبل أحبائهم، أنا أريد أن أكون لكِ حتى النهاية.

أنا خائفة يا أحمد. أخاف أن يسلبوني طفلتي، أخاف أن أخذلها. ماذا أفعل لأحفظها؟ ماذا أفعل لأطمئن؟
26 فبراير 2013