2014-12-25

نهاية

عامُ النضوبِ يخسرُ أيامَهُ الأخيرة

لي فيهِ صورتا فرحٍ
وصورةٌ أو أخرى في الذهنِ
صَدَفاتٌ/صُدْفاتٌ
وهمْسُ بَحْر

لا شيءَ لهُ فيَّ إلَّا
التوقُ إلى ما لا أعرف
السؤالُ
والفشلُ في الإقلاع

عامٌ شديدُ الشراهةِ
ارتشفَ آخرَ وجوهِهم
أصواتِهم
صنائعِ اللطفِ
والحلول

عامٌ خلَّاق
أعادَ خَلقي كثيرات
لم يزكِّ إحدانا على الأخرى
قالَ:
انقسمي.. انقسمي
حتى تجديكِ
حتى النضوب

2014-12-08

أنا أخاف يا حبيبي

أخافُ إن جالستُكَ في مخبئِكَ السِّرِّيِّ
أن أتوقفَ عن حبِّك

إن قطَّعتُ اللحمَ أعدُّ لكَ الحساء
أن أتوقفَ عن حبِّك

إن لاحظتُني لا أنظرُ إليك
لأني مشغولةٌ عنكَ بفكرَتي فيك
وفكرَتي في قِطَعِ اللحم
وفي أنفاسي المتقطِّعة
أن أتوقفَ عن حبِّك

أخافُ أن تظلَّ مجردَ حُلْمٍ لستَ فيهِ
لا أتوقفُ فيهِ عن حبِّك

6 ديسمبر 2014

2014-12-06

قل للحروف إنك تحبها

أراقبُ عدَّادَ زوارِ مُدونتي
أعرفُ أنه لن يخبرَني:
حبيبُكِ يطلُّ الآن

العدَّادُ لا يعرفُ حبيبي
حبيبي لا يعرفُ أني أحبُّه

يمكنكَ أن تطلَّ يا حبيبي
ولن أخبرَ عدَّادَ الزوارِ عنك
ولا الحروفَ التي
ما حدَّثتْ نفسَها بسواك

5 ديسمبر 2014

2014-12-05

وجودك

في لياليَّ الأخيرةِ
صرتُ أحلمُ أحلامًا غيرَ مهمة
مزعجةً قليلًا أو تافهة

في أحدها كنتُ أحلقُ شعرَ جسدي
أستحمُّ، وأخرجُ عاريةً إلا من رداءٍ شفَّاف
كجميلةٍ إغريقيةٍ قديمةٍ لا تخجلُ من جمالِها
كنتُ أراني أجمل

في كلِّ أحلامي الأخيرةِ
كنتُ أخَفّ
وكانَ وجودٌ ثقيلٌ في كلِّ حُلمٍ منها
أشعُرُهُ في حينِهِ
وفي لحظاتِ الإفاقة
وفيما بعدَ الإفاقة
والآنَ وبعدَ الآن
لا أراهُ ولا أتذكرُهُ بوضوح
ليسَ بوضوحِ قطراتِ الماءِ التي كانتْ
تتساقطُ منحدرةً على كتفي

ثقيلٌ ومحبَّبٌ
ولا يمكنُ أن يكونَ لأحدٍ سواك

2014-11-13

العالم قبل اختراع الحب-2

أمِّي لم تلدْني
أمِّي غَصَّتْ بي فقاءَتْني
كما العذراءُ التي كتَبتُها في قصيدةٍ سابقة
تذكرونها؟ وأطفالَها الموءودين؟
هذا ما حَدَث
غيرَ أنَّ أمِّي لم تفقدْني، ولم تختنِق
الحكيمُ حلَّ المسألة:
إليكِ وعاءٌ مليءٌ بمحلولِ الفورمالدهيد
ضعيها فيهِ وأحكِمي إغلاقَهُ
ثمَّ ضُمِّي الوعاءَ إلى صدرِكِ هكذا
نعمْ هكذا بالضَّبط
هكذا -فقط-
لن يُصيبَ طفلتَكِ الصَّغيرةَ العَفَن

اقرأ أيضًا:
العالم قبل اختراع الحب-1

العالم قبل اختراع الحب-1

غرفةٌ تسكنُها الفئران
وامرأة؛ أعني رجلًا
بل شيئًا آخر
يجلسُ على كرسيٍّ في وسطِ الغرفة
في حِجرِهِ هاتفٌ ذكي
وفأرٌ يهمسُ في أذنه:
أنا أذكى

2014-10-23

ما حاجة البحر للميناء؟

أنا لا أحتاجُك.

أحبُّكَ ولا أحتاجُك.
أرجوكَ ولا أحتاجُك.
أريدُ أن أفقدَ عقلي وخوفي بينَ ذراعيكَ،
ومعكَ، دونَ أن أفقدَهما،
لكني، حقًّا لا أحتاجُك.

لكني، إن كنتُ
سأجرِّبُ يومًا أن أصمتَ طويلًا،
أو أن أبوحَ طويلاً،
وأنا غامسةٌ رأسي في صدرِكَ،
فسأختارُكَ أنتَ،
حتى وأنتَ غريب،
حتى وأنا أجهلُك.

إن كنتُ سأجرِّبُ يومًا أن أَطعَمَ شفتَيْكَ،
وأن أُطعِمَكَ شفتَيّ،
فسأختارُكَ أنتَ،
حتى إن كنتَ صدِئًا باردَ الدَّم.

22 أكتوبر 2014

2014-10-22

لا ألمس الحرف

يمكنني الامتنان للوجع؟

الوجع (الشعور به) هو ما يبقيني حية. أيامي هذه تذكرني بأعوامي الأوائل بعد كلِّ تحول. كلَّ عامٍ أحبُّ أن أفكر في أني أكثر وعيًا من عامٍ سبق، لكن الأعوام الأوائل أعيها بلا وعي. وهذا جيد، و...

ثمة وجعٌ لا أدركه كله. ثمة محبةٌ أتغاضى عنها.

داليا كتبت: «لماذا ليس من حقي أن أنعم بلحظة أبدية مع من أحب كتلك التي نعمت بها مع لبنى الأسبوع الماضي؟» وقبلها كتبتُ إلى عدنان: «رسالة تحملني أرسلُها إلى صديق أو صديقة كرسالتي هذه إليك، أو حديث يمثلني بعفوية وصدق، أو فكرة طيبة أتبادلها مع أناس بدون كلام … غالبًا ما يؤلمني كل ذلك، يغضبني، وتفسد متعتي بممارسته.»

ما أعرفه هو أن الداليات لم يعدن يؤلمنني ولا الرسائل. تلك الأحايين لا تحين كثيرًا، ويحسُن أن أمتنَّ عندما تحين.

أعرف أن الأمور لا تجري «حسنة» دائمًا. مفارقات صغيرة تنقلني من وضع الثبات إلى وضع الجحيم. وعلى الرغم من أن الأمور لا تصبح هيستيرية معظم الوقت، إلا أني أخشى معظم الوقت تحولها إلى الهيستيرية، وهو ما يقيدني. تلك الخشية المزعجة من الخروج عن السيطرة، من تعاظم طاقة الركض والطريق ملتوية على نفسها، أو منتهية، أو مقطوعة، أو مثقوبة، أو غيرها من علل قد تصيب الطريق؛ فأركض داخل نفسي، وأتوقف عن العمل.

استمرارًا لتفكك الفقرات السابقة: اكتشفتُ مؤخرًا أني مجردة من الفضول. عليك أن تمتلك بعض الفضول لتعرف الناس، لترغب في معرفتهم، لتعرف أي شيء. غياب الفضول يجعل من الأيسر والأوضح أن تغضب وتضجر وتكره، وأن تفعل الأشياء على طريقتك وإن كانت صعبة، عوض أن تشرك في اللعبة آخرين لا تملك الفضول الكافي للتعامل معهم.

أنا لا أجيد الكتابة. هذه الكتابة التي لا تؤديني ولا تتأكد عبرها أفكاري لا أحتاجها. أكتب لدائرة من الأصدقاء عن عدم تسامحي وعن ضيقي بالآخر وشجاراتي الدائمة معه؛ الشجارات التي أحتفظ بها لنفسي، لأرقي، لضيقي، لأسئلتي: لماذا وكيف؟

الأصدقاء فهموا أني أتحدث عن المسيئين إلي والذين لا أتمكن من تجاوزهم أو التجاوز عنهم. لكني لا أعنيهم. لا يوجد مسيؤون. قلتها: «لم يؤذني أحد قط.» ما مشكلة الآخرين إذن؟ مجال المشكلة أوسع من شخصي المستقل غير الفضولي ومن علاقتي بالعالم، ومداها أوسع.

الرهان على عدم الفهم أو سوئه رابحٌ هنا بلا شك. لا أحد يعلم عمّ أتحدث. ولأشرح؛ أحتاج إلى ما هو أكثر من كلمات مكتوبة ثنائية الأبعاد وعاصية.

2014-10-15

لا أذكر متی مت

أختي الصغری تعتقدُ أني ميتة
أنا أعتقد أن «البنت التي تجري» تمثلني

أختي الأخری:
أنتِ! أصدقاء! صديقات! غيرُ مألوف!

يا أختي اطمئني
...
صديقةُ الموعدِ الأولِ
لن تأتي
...
صديقةُ الموعدِ الثاني
لن تأتي
...
صديقُ الحلمِ الذي أتی ليلةَ أمس
لم يأتِ علی ما يرام

كنتُ له مفتوحةَ الذراعين والقلب
وكانت الهُوةُ الزمكانيةُ أشدَّ انفتاحًا
عبرني إليها
تخللني علی كُرهٍ
وسقطَ في الهُوةِ
...
لأنه يريدُ أن يسقط

العيبُ ليس هوَ، وليس ما يريد
...
ربما، أنا الشبحُ الأجوفُ الأشفّ
ربما، أنا ميتةٌ بحقٍّ يا أخت
ولا وجودَ بداخلي
لأيِّ شيءٍ حيّ

أنا ميتة
غيرَ أنَّ هيئتي التي متُّ عليها
لا تخيفني

النساءُ الجميلاتُ اللاتي
قد ترين في وجوههن آثارَ احتراق
لا أراهنَّ قبيحات
أنا فقط أجزعُ لألمهن الذي قاسين لمَّا احترقن

لكنَّ ألمي أنا أخفّ
...
ألمي بعيدٌ جدًّا ... لا يكادُ يُذكر

11 أكتوبر 2014

2014-10-11

البنت اللي بتجري

نبضت
زحفت
مشيت
جريت
فضلت تجري
بيتعمل فيها
بتعمل أكتر

بتعمل وبس
متعرفش اسم للي بتعمله
متعرفش من الأسماء غير اسمها
واسم البنت في مرايتها

مش بتسمي الأماكن
مش بتهتم تسمي البشر
ولا بتسمي الحاجات
لا بتسمي جوعها لما تجوع ولا الشبع

فعل التسمية اتلغی
اتلغی معاه "شوية" أفعال
زي الطلب
زي التمني
... زي الحب

ازاي تتمنی حبيب ملوش اسم
ازاي تطلب وصله
ازاي تحبه وكل الحب أغاني
وكل الأغاني وصوف
ازاي توصف الشوق المحسوس
ومفعول الحس ملوش اسم

"حاسة بشوق"
"حاسة بيك"
... مش هتعرف تقول

ازاي تبطل تجري؟

2014-10-09

السحرُ كلُّه في المسافة

قمرٌ ساكنٌ
يسيرُ
بين سائرٍ وسائر

ريحٌ
تتمدَّدُ بينهما
تهزُّ الخطوَ المترافِق

الساعدُ يسعی إلی الساعد

ترقُّ الريحُ
يهدرُ القمرُ
يمارسُ جاذبيته
ويُبقي علی مسافة

8 أكتوبر 2014

2014-10-06

‫#‏ساعة_كتابة‬ 3

إنها نوبةُ الذعرِ تتجدَّدُ يا أمي
أنا ملتاعةٌ مذعورة
ولا أملكُ القدرةَ علی التشبثِ بيدِ حبيبي
يدي تصرخُ في يدِهِ
وما بينَ اليدينِ يغرقُ في الصَّمَم
وأغرقُ أنا في خوفي
وخوفي في خفقاتِ قلبيَ المُخفِقة
واختناقٌ يا أمي

5 أكتوبر 2014

2014-09-25

لا أصنعُ المحبةَ بالكلمات

يا عزيز!
أنتَ جزءٌ من حقيقتي السحرية.
موجود.
غيرُ موجود.

في عالمٍ آخر، اسمُكَ "ملبن"، مثلًا،
تلعبُ معَكَ بنتٌ اسمُها "شيماء".
قواعدُ اللعبةِ اللا أحدَ يعرفها،
كلاكما غيرُ ملتزمٍ بها،
لأنه ببساطة:
"لا قواعد".

اسمُكَ "صاحبُ الوشاحِ الأحمر".
صفتكَ:
الغريبُ الذي لا يمانعُ استماعَ الحكايات،
ليسَ لديهِ حكايةٌ يحكيها في المقابل،
ليسَ بيديْهِ قلوبٌ كهذهِ (<3) يوقِّع بها الرسائل.

في عالمٍ آخر، أنتَ أنت.
تدلُّ علی نفسِك،
علی نفسِه،
علی صاحبِ الضميرِ الغائب،
غيابُهُ يمكُنُهُ أن يتحمَّل،
بضميرٍ، كلَّ ما لا يحتملُهُ الحضور.

أنتَ أنا.
أكلِّمُني.
أتعرَّفُ عليَّ وعليك،
علی الاحتمالات،
علی الجزءِ الذي: ربما أدركَهُ الوعي،
لولا اللا وعيُ سبق،
والعكس.
أراني فيكَ قبلما أراني.

لا أصنعُ بكَ ولا فيكَ يا عزيز،
أنتَ -فقط- بعضُ التجلِّي.

2014-09-21

ممكن تعديني يا عزيز؟

ازيك يا عزيز؟
أنا مش كويسة. خرجت من عند الدكتور خفيفة، بعدي الشارع وبفكر إن رجلي مش بتوجعني، بتترعش بس مش بتوجعني، بفكر إني في أول فرصة هكتب: حتی الدكتور عرف القصة من غير ما أحكي، وعلی طريقة تحصيل الحاصل:
احنا هنعمل التحاليل والأشعة دي تاني، ولو طلعت سليمة، أنصحك تشوفي طبيب نفسي.
والله قلتله ع اللي بحسه يا عزيز، علی قد ما افتكرت، وحاولت أستبعد التهيؤات، وهو يكررها: ممكن تكون نفسية.

كنت بكرر كلامه وأنا بعدي الشارع بخفة، ولقيت نفسي في الأرض. وقعت يا عزيز. هزمني تقلي تاني. كنت لوحدي، وكانت الدنيا ضلمة، والعربيات زي الأشباح، وأنا بنادي اللي مبتسمعش.

محدش من اللي حاولوا يساعدوني كان فاهم أنا بعيط ليه، بس كانوا طيبين يا عزيز، والبنت اللي عدتني بقية الشارع سابتني أمسك إيدها لأني كنت خايفة أقع تاني.

من المفارقات يا عزيز إنه قبلها بكام ساعة لما كنت في طريقي للمستشفی، كنت بفكر قد إيه هيكون صعب إني أقطع المحور لوحدي، كنت بفكر أروح لأول حد يقابلني:
من فضلك، ممكن تعديني؟
من غير ما الحد يفكر إني عايزة أكتر من تعدية.

20 سبتمبر 2014

2014-09-19

أكتب لعزيز

عقلي الباطن مش بيعرف يقرن أشخاص واقعيين بأحاسيس اللذة والانتشاء. الراجل الحلو اللي حضنني وحضنته منتهی الحضن في الحلم امبارح، شريك الحضن الراقص والنافذ في الضلوع، معرفوش.

ده بيفكرني بالفتی الفكرة.

تعرف يا عزيز!
الحياة بقت تقيلة فعلًا. عقلي وجسمي علی فارغيتهم بيتمددوا، بتزيد كثافتهم، بيتقلوا، وبتتسد قدامي طرق الهروب.

فاكر لما كلمتك عن السكاكين والسلاسل اللي جوا رقبتي هتسحقها وهتفتفتها من جوه؟ هي لسة جوه، ولسة بتخنقني بالبطيء، بتسرَّع أكتر لما بعيط، عشان كده مش بعيط كتير، مش حابة أموت يا عزيز.

تعرف يا عزيز!
حد من اصحابي، متخيل إنه مش بيعرف يعمل أي حاجة، بس هو في الحقيقة بيعرف يقول، أو يكتب، بيثير غيرتي، بس بفكر إني حتی لو قلت، فأنا فعليًّا معنديش حاجة أقولها/أكتبها، كل اللي في دماغي وشّ وفراغ محض، مخلوط بتقل ووجع وعينين هتنفجر، ومشاكل كل يوم الكبيرة والصغيرة.

أنا عايزة أجازة من كل ده يا عزيز، وحد ينزع أدوات التدمير اللي مزروعة جوايا، وحد يسكت البنتين اللي بيضحكوا بصوت عالي في الباص الصبح، وحد يتصرف عني لما أكون مش عارفة أو مش عايزة أتصرف، وحد يشيلني خمسة سنتي عن الأرض عشان أمشي كل المشي اللي عايزة أمشيه طافية من غير ما رجلي تنتفخ وتوجعني، ولما أتعب ينقلني فورًا للسرير، بس يكون سرير من اللي بيناموا فيه بعمق، ومن غير ما يحسوا إنه من شدة تقطُّع أوصالهم مش عارفين يلموها في نومة واحدة مريحة ومش بتسرَّع من شغل أداة النحر.

حجزت معاد مع دكتور بكرة، تفتكر هقول له أنا حاسة بإيه؟ يعني إيه المرض اللي بيجمع ما بين إحساس المجنون والمشنوق والمنفجر واللي وجوده أتقل من قدرة رجليه علی الحمل والاحتمال؟

تعرف يا عزيز!
شكرًا لأنك خليتني أكتبلك.

الصورة دي هدية ليك، صورتها بموبايلي يوم الخميس اللي قبل اللي فات، لما السما كان مفتوح فيها شباك، الشمس بتدلدق منه بشويش، بمنتهى الحذر والاندفاع.

2014-09-14

هدوء

هادئًا أو متصنع الهدوء في موقعه بالزاوية -لا أقول البعيد بل المراقب- كان.

عزيزي صاحب الوشاح الأحمر، كنت لتستدل عليَّ من وشاحي الذي لوَّن انعكاسُه وجهي الخالي من مساحيق التجميل، تقول أختي: ما فعلتِ بوجهك؟ أقول: فعله الخجل. الهدوء فعلها أيضًا يا ذا الوشاح، ذلك الذي كان ليدلك علی الفتی بسمته الهادئ الذي يجعله يبدو قديمًا كأزل، بقميصه المقلم بعناصر غابة نهارية، بملامح وجهه المحايدة، وكأن كل مخلوقات الغابة ليس بوسع أحدها أن يستفز انفعاله، وأنت تعلم أنه منفعل.

لاحظ أنك تلعب دورًا من أدوار الإله هنا يا عزيزي، تتوافد عليكَ الرسائل بلا توقف، تترسَّل في مناجاتكَ بفنون المناجاة، تبوح لكَ بما يطيب لها تقدير أنكَ لا بدَّ تعرفه؛ أنت العليم كما تعلم.

تعلم أن كل شيء كان محسوبًا، وأن ما حسبت حسابه حصل. أقول لأختي في الليلة السابقة: ثمانون في المئة لا أقل. وفي اليوم التالي، أهدأ وكأنها مجرد خمسين، وفي الموعد أهدأ جدًّا وكأنها سالب واحد، ثم … مرحبًا يا أنا يا ذات الوشاح الأحمر، الفتی البريُّ هنا، ترينه بنسبة مئة في المئة. كفان تهتزان، تمتمات …
- سعيد برؤيتك، سأمضي.
- أجل.
قلتِ لي ماذا كان احتمال استبقائك إياه؟ جيد أنكِ ما زلتِ هادئة.

عزيزي صاحب الوشاح الأحمر، أنا بخير، ماذا عنك؟ ربما أنتَ مثلي، تتذرع بجفاف حلقكَ معللًا إحجامك عن النطق بما تريد النطق به. ما زال حلقي جافًّا وكلمتان غارقتان بذاتي غير الواعية: هل نلتقي؟

وتأتي الواعية لتضيف اللمسة الزخرفية: عزيزي الفتی -حطي النعت بالحلم علی جنب- تقول لنفسها، وإليه:
أردتُ أن أستشيركَ في أمر هام … ااام، لي صديقة حكايتها أنها … لا انسَ صديقتي، ما أريد قوله هو … ااام … كيف حالك؟ أنت حالٌّ فيَّ بطريقة أو بأخری.
كلَّا، الواعية لم تكن لتستخدم تعبيرًا بكشف ومجاوزة تعبير "الحلول". في الحقيقة، الواعية أعياها مداولة الحلول، وهي للحق لا تجد أيًّا من هذا منطقيًّا.

هل تعلم أني أعد كتابًا له؟ كنت أرجِّي الانتهاء منه وطبعه ولفه بالعطر قبل ليلة أمس، أرجِّي المزيد من الهدوء لأهديه إياه عوضًا عن كلامٍ لم أقله، ولن.

اليوم أجدني هادئة أيضًا، مفتوحة الرئتين علی بهجة لا أعرف مصدرها، مسبباتها واهية، ليست مصدريَّة ولا صخبويَّة، لكنها تجعل عضلاتي الأكثر التصاقًا بهيكلي تبتسم. هذا يفسر انقباضات معدتي غير المؤلمة، كجوعٍ خفيف، كاحتواء زمرةٍ من فراشاتٍ جائعة، لأجنحتها الرقيقة رفيفٌ واهن.

مرآتي تقرأ بنتًا أجمل حين أحبُّ يا أحمر، عيناي تمحوان خطوطهما وتتحدَّدان من جديدٍ علی هيئة حمامتين محلقتين في محجريهما، جلدي يصبح أكثر نعومة ويشف، تحلو شفتاي، أنحف، يرِق خصري وصوتي، وأصبح أقلَّ تشوَّقًا لإثارة مواطن لذتي بأصابعي أو بخيالي. يعني.. ما اللذة؟ ما مكافئها؟ ما يعدل فكرة الحب؟

تكبرني بكم؟ عشر سنين؟ ألفًا وعشرين؟ ألم تتعلم في سنواتك الكثيرة كيف تقبض علی تعريفٍ للأشياء؟ لو عشتُ ما عشتَ لأمكنني تهجئة الحب، بلا معلِّم، لما التبست عليَّ حلاوة الفتی بحلاوة الفتی، لحدَّدتُ لون الفستان وقصَّتَه، وفعله في جسدي وفعلي في مُخملِه، وحظَّ الليلة التي سأرتديه فيها من الفرح.

أعرف أن فرحًا عظيمًا سيحدث يا ذا الوشاح الأحمر. دع لي دور الإله العليم هذه المرة، وثِقْ.

14 أبريل 2014

2014-08-27

غربة

واحدٌ يدخلُ مجالَ الآخر
بمَ يشعرُ المقتحِمُ/المقتحَمُ؟
كيفَ يفسِّرُ اللحظةَ؟
كيفَ يری نفسَهُ/الآخر؟

الممثلُ في الفيلمِ مثلًا
يعلمُ أنَّ ذراعيه سيلائمانِ الآخرَ تمامًا
(إنه مكتوبٌ في الورق)
سيحتضنُهما قبلَ أنْ يحتضناه

ماذا لو كنتُ أمثِّلُ وكنتَ
أحدُنا لا يعرفُ الآخرَ
زُجَّ بنا في المشهدِ بلا ورق
غريبانِ غريبانِ

أيُّنا سيفِرُّ قبلَ صاحبِهِ؟
أيُّ لحظاتنا ستتجمَّدُ/ستجمِّدُنا وتجري؟

2014-08-22

إلى الحسيني

لعلك تتفاجأ حين تعرف كم هو قليل عدد الروايات التي أنهيت قراءتها فعليًّا في حياتي. آخرها مسودة الرواية الجديدة لبركة ساكن؛ ذلك الرائع "الرجل الخراب"، كنت قد شرعت في قراءتها قبل نحو شهر، وأنهيتها بالأمس فقط وأنا أقول: "هو كذلك، هو خرِب جدًّا، مثير للشفقة، حقيقي، مؤلم في عالم لم يمنحه غير الألم، كلا، الخراب ليس هو، بل ما حوله، بل الأغشية الرقيقة حينًا والخرسانية حينًا التي أحاطت به، احتوته، سيطرت على حركاته، وحالت بينه وبين الحصول على علاقة صحية مع ما ومن حوله".

بركة يجيد ذلك فعلًا، ويطبق عمليًّا فكرته عن الخَلق القصصي والروائي الجيد، رأيته مرة يتحدث عنا وعن كم نحن استثنائيون ومميزون، وأن كل إنسان يملك ولا شك أسطورته وحكايته الخاصة المبهرة، لكن، ما كل الحكايات الذاتية تصلح لصنع الأدب العظيم، ولربما فقدت بريقها إن هي وُضعت كما هي على الورق، لكن وحده الروائي الشاطر من يستطيع الحفاظ على ذلك البريق وتغذيته من روحه وخياله وتشكيله بأدواته وأساليبه المميزة.

غير بعيد، استمعت قبل أيام إلى رأي آخر حول الذاتية، قال المحاضر إن الأدب الذي يسير على منوال "أنا وأنا، طفولتي، ذكرياتي البائسة، أنا، أنا، والكثير من الأنا" ... يعتقد خالد إسماعيل أنه أدب رديء ومُساء توجيهه، بينما تعني الذاتية الحقة والخلاقة من وجهة نظره: "أنا والمجتمع، أنا وأفكاري وتفاعلاتي مع المجتمع والمحيط بمختلف أبعاده".

أحاول ألا أشغل نفسي كثيرًا بالتفكير في ما يجب وما لا يجب عندما يتعلق الأمر بكتابة الرسائل، لدي هواجسي بشأنها، لكن آخر ما أفكر فيه هو وضعها في ميزان الإبداع أو موازين الذاتية والموضوعية. في رأيي، الرسائل أوسع أفقًا وأكثر استيعابًا لصنوف الكتابة ودرجاتها وصورها المحتملة.

هنا، أظنني بحاجة إلى تغيير الموضوع (مسموح بهذا في الرسائل في أي وقت) خاصة وأني لا أعتقد أن حديث الرسائل الطويل هذا والمرشح لأن يطول أكثر، لا أعتقد أنه ما أردتُ أن أحدثك عنه في المقام الأول، ظننت أنه سيشكل مدخلًا إلى حديث آخر رئيس. أحاول تذكره الآن.

تذكرت. كنتَ تقول شيئًا عن الناجين من الحملة العنيفة التي شننتُها على أصدقائي الافتراضيين على فيسبوك، أجبتكَ أنهم؛ الناجين محظوظون. لكن الأمر ليس كذلك. لا أدري ما الذي يرسم دوائر اهتمامي ويحدد دوائر الأمان الخاصة بي بالضبط. بعض من حذفتهم أكن لهم مشاعر طيبة بالفعل، بعضهم لم يشكلوا يومًا مصدرًا للإزعاج، بعضهم أنزعج لمجرد رؤية أسمائهم وإن لم يفعلوا شيئًا، بعضهم لا أحبهم فحسب، بعضهم لا أعرفهم، بعضهم أعرف أنهم يخلقون بداخلي أفكارًا وأحاسيس سلبية، بعضهم عشوائيون، بعضهم كانوا لدي "متشالين لوقت عوزة" وكنت لديهم كذلك، وهذا سبب حقير للاحتفاظ بأصدقاء ليسوا بأصدقاء.

قد يجرني الحديث إلى فكرة الأصدقاء أساسًا، لكن ليس هذا مقامها، ومشكلتي المزمنة بخصوص عدم القدرة أو عدم الرغبة في الحصول على أصدقاء قصيري أو طويلي الأجل، فضلًا عن علاقاتي الاجتماعية شبه المنعدمة بشكل عام، مشكلة كهذه مكان مناقشتها عند المختصين، لا في رسالة إلى صديق افتراضي هو أحد الناجين من المذبحة الأخيرة، وربما لا ينجو من أخرى تالية.

ما أريد قوله: أنا أهتم للآخرين حقًا، ولا أحد يهمني حقًّا.

يعجبني الاسم المستعار الذي اخترتُه لحسابي المحدود، لكن، وعلى الرغم من أني هناك أجرأ وأقل لطفًا، أقول إني حزينة عندما أحزن، غاضبة حينما أغضب، أحب أحبائي وأكرههم في الوقت نفسه، لا أراقب عباراتي ولا أهذبها دون داعٍ، إلا أني لا أستطيع أن أكون اثنتين في واحدة، وصنع ثالثة هي مزيج من الاثنتين معًا سيستغرق وقتًا ويتطلب تغيير كثير من العادات القديمة.

تجربة الاسم المستعار غيرت شيئًا؛ أشياء. مثلًا، استيقظتُ صباح يومٍ عازمة على نشر واحد من نصوصي الأكثر فضحًا، لكني لا أراه كذلك. الكتابة لا تفضح يا حسيني. الكتابة تعيد سرد الحقائق، تحاول تبسيطها، تركيبها، فهمها، اكتشافها أو اختراعها، تسير بها في مسارات جديدة ... أيًّا كان، المؤكد ألَّا علاقة لها بالفضائح.

أقول لأختى: انظري، فلان يكتب، وفلانة تكتب، يكتبون كل شيء ولا شيء، تقول: ليس لديهم ما يخسرونه، لكنك ستلحقين الأذى بأولئك الذين تهتمين لأمرهم. لا يقنعني منطقها تمامًا، لكني أظل محاصرة في منطقةٍ ما بينه وبين منطقي، وأنتظر لحظة إنفاذ الوصية، وأرجو ألَّا يطول انتظاري وألَّا يضيع سُدى.

* رد الحسيني: رسالة طويلة إلى لبنى

متساقط

”أخبريه أنه متساقط“

حسنٌ.. رسالة، أفتحُ القوس:
عزيزي (...)
أنتَ متساقط.
أغلقُ القوس، أنام.

يعيدُ الساعي إليَّ الرسالة:
لم يُستدلَّ على المطر.

أعيدُ تحريرَ الرسالة، أفتحُ قلبي:
عزيزي (...)
أنتَ متساقط.

أغلقُني.

16 أكتوبر 2012

2014-08-21

تنهيدة.

تنهيدة.

لدي عقدتان بين عقد أخری كثيرة: الموت والأكبر سنًّا.

أنا أكره الموت وكل صنوف الغياب والتعفن التي تشبهه، والفقد، أن أفقد أو أُفقَد، وألا يفتقدني أحد.

أفكر: لستُ مغرمة كثيرًا بهذا الجسد، لكنني لا أحتمل فكرة أن يكون يومًا مصدرًا للبشاعة الخالصة والرائحة التي لا تطاق. لا أحتمل أن يتلمسني أحبائي باهتمام لأول مرة ويجدوني خاوية باردة. الذين أحبهم، أفحصهم باستمرار، وأعلم أني سأضيع عقلي إن ضيعتهم. كل ما أقوله لنفسي عن أن الفتی ليس لي وعن أنه لا يهتم وأني لا أهتم به إلی هذا الحد، كل ذلك يصير لا شيء، يتلاشی في لحظات ضعفي وموتاتي المصغرة، ويخيل إلي أني سأطلبه في الساعة الأخيرة لأراه وأسمعه لمرة أخيرة حقيقية، وسيلبي لأنه سيضمن أنه لن تكون ثمة مرة أخری، لن يلزم نفسه بشيء لأجلي، لن يتورط.

الحياة مرهقة، وأنا قليلة الحيلة، محدودة، صغيرة ووحيدة، لكنني لا أريد المغادرة، لا أستطيع سداد كلفتها، ولم أعتد الاقتراض أو استجداء أحد ليسد عني.

أضم حقيبتي علی الطريق السريع كل يوم، وأفكر أن أشيائي الدقيقة التي تحتويها؛ الورق، المفكرة المسجلة في ذاكرة هاتفي، البطاقات التعريفية والمصرفية، الصور، المفاتيح، مرطب الشفاه، تذاكر السينما والمسرح وحافلات النقل العام، مشابك الشعر، الأقلام التي أفلتت من أيدي أختيّ اللتين طالما تآمرتا علی أقلامي، الصدفات الباقيات من رحلة الغردقة، المخلفات التي أحتفظ بها ريثما أصل إلی البيت عوض أن أرميها في الشارع وكثيرًا ما أنسی التخلص من معظمها، الفلوس ... كل تلك الأشياء لن تعني أي شيء لأي أحد إن تصادمت مركبتان علی الطريق وتمزقتُ بينهما، لن يصرخ المسعفون ورجال الدفاع المدني: الصدفااات ... هل أنقذتم الصدفات؟

لا أستطيع تخيل النهاية، بقدر ما أستطيع تخيلها. لقد جرَّبت. آثار أبي وأمي تشهد. ثم تأتي خالة أو عمة لتزجرني: لا تكوني كذا لأن أباك وأمك لم يكونا كذلك. أنا وحدي التي تعرف كيف كانا، وكيف أنهما لم يعودا موجودين، ولولا أني موجودة لما صدقتُ أنهما كانا موجودين يومًا.

لا أحسبني انتهيت، لكنني متعبة لأكمل. ربما في رسالة أخری. كوني بخير لأجلك. واكتبي لي متی أردتِ، سأقرأ ما دمتُ هنا.

29 مايو 2014
* أرسلتها إلى أمل إدريس.

2014-08-20

في الأحلام والفيريتيلز فقط

في الأحلام والفيريتيلز فقط
تحصلُ البنتُ علی الحضنِ أولًا
قبلَ العشقِ وقبلَ كلِّ شيءٍ آخر
وفي حكايتنا

5 مايو 2014

2014-08-19

يا سماح.. ما أخبار الصبر؟

الصبر ليس نزهة. الصبر ليس قرارًا بالتحمل. أنا لا أستطيع أن أتحمل المزيد.

عندما أفكر في الموت أفكر في لحظة انفجار قصوی، سأنفجر يومًا حين يعجز جسدي عن تحمل كل هذا المزيد. سيكون انفجارًا مدويًّا يعقبه صمت تام، كصمت الموت.

قبل قليل كنت أقول في نفسي: لماذا لا تكون قصة الحب كلها مكونة من كلمة واحدة؛ (حضن). لماذا لا يكون شخصان لأحدهما الآخر كبطلين في فيلم من تلك الأفلام التي تملك أبطالًا صامتين يضمون بعضهم البعض بصمت، يعتنون ببعضهم البعض بصمت، يضحكون معًا ضحكات هادئة خجولة أو صاخبة دون سبب، ويبكون معًا لأسبابٍ كثيرة يعرفونها ولا يتحدثون عنها. تلك الأفلام، تعرفينها؟ غالبًا ما يكون أحد البطلين أو كلاهما معاقًا ذهنيًّا. هل المشكلة هي أننا لم نفقد عقولنا بعد؟ فلا نستطيع أن نحصل علی أحبة يحبوننا من غير كلام ولا شروط؟

8 يوليو 2014
* مقطع من رسالة أرسلتها إلى سماح نصر.

2014-08-18

سد الحنك

أنا واكلة نفسي
وأسفلت الطريق
والهوا المخنوق
والعالي الضغط
والأسباب
والفرص الضائعة
والحلم
والفتی الحلم
وأبويا وأمي
والسكوت اللي في العالم
والصخب
والطريق الدائري
والبنت اللي بتقول شعر
والشعر
واللا شعور
ورمضان وعيده
وكرهي للأعياد
وخوفي من الكلاب
والقطط
والبني آدمين
ومن العنكبوتيين
ومني
وواكلة الغضب
وكل الحاجات اللي باظت
واللي لسة هتبوظ

13 يونيو 2014

2014-08-17

نهنهة

عارفة
نهنهة الطفل الصغير
أو العجوز
بيتدلع
أو تعبان ومش قادر يعيط؟
...
دي اللحظة

13 يونيو 2014

2014-08-16

رد رسالة اللا نوم

أنا أيضًا لا أريد أن أنتظر يا إسراء، وهذا جديد.

يظلون غير مصدقين، لكنني أتغير فعلًا ومن الداخل، وتصبح الكثير من الأشياء جديدة علي، على نحو قد لا أفهمه دائمًا. وفيما يراني أخي في مرحلة الكبوة التي سأنهض بعدها، أجدني في مرحلتي، لستُ مسيطرة تمامًا لكنها مرحلة تخصني.

أتواصل مع زملائي بشكل جيد، وأنجح في إيجاد الطرق لقول ما أريد قوله، أتحدث ببساطة مع الباعة والغرباء، وأشتري الورد الذي لا أعرف اسمه، أسمِّي اللون فقط وأتبع حدسي، لا أحظر أصدقاء الفيسبوك الذين يأتون للثرثرة وإلقاء التحية، لا أفكر في الفتى الحلم كما اعتدت أن أفكر.

حلمت به الليلة الماضية، يقول شعرًا في الحلم، لا ينظر إلي، ولا يبحث عني. هل أخبره بالحلم؟ هل سيكون ذلك لائقًا؟

حتى الآن، ورغم كل البعد، ما زال الحلم غير مؤلم، وليظل كذلك، ربما علي أن أدعه لنفسه ووحدته التي اختارها وتنائيه عن الناس. هو جميل وهو بعيد، وجميل وهو أقرب قليلًا، لكن لعله لن يكون كذلك عند الاقتراب.

لعلكِ تنامين الآن أفضل.

صديق طبيب نصحني بحزمة من الفيتامينات، يقول إنها ستحسن حالتي الصحية، ويقول: "لا تتوتري"، وأنا أعتزم إكمال رحلة البحث عن مسببات ملموسة للعلة، نتائج التحاليل تخيب ظني، ولن يكون يسيرًا أن أسلِّم بأن السبب نفسي، فأنا في حال رائعة، لا أبكي كثيرًا، ولا أشتاق كثيرًا، لا يعكر صفوي إلا ذاك الفراغ، ونوبات الـ"ضمَّني" العنيفة.

لبنى
13 يونيو 2014
* ردًّا على رسالة إسراء عبد الفتاح يوسف: "الرسائل المستفزة.. رسالة اللا نوم‎"

2014-08-15

الطيب والأطيب

بالنسبة لشخص مكون من 70٪ مياه و 130٪ مفقودات، فالانشغال بالمفقود عن الموجود بديهي.

العالم الافتراضي باحتوائه علی كل هذا الزخم من الموجودات غير الحقيقية يمثل ألمًا محققًا.

هربت من معايدات آتية من أشخاص لم أتوقعهم، ومن ردود أصدقاء علی رسائل معايدة مني لم يتوقعوها، في حين أن من أريدهم في واقعي لا أثر لهم، ولا يحفلون باختفائي.

تعرف التعبير "احنا بنعامل ربنا"، في الحقيقة، سواء أكان قائلها يعنيها أم لا، فالجميع، كل واحد منهم يعامل نفسه. الفارق أن البعض يعامل نفسه بطريقة جيدة، والبعض "بيطلع عينها".

قريبتي علی وشك وضع طفلتها الثانية. هي خائفة إلی درجة الهلع، ونظرة فيما وراء ملامحها المتعبة تكشف عن البنت الصغيرة التي كانتها قبل سنوات قليلة؛ البنت التي كانت مغرمة بالأفلام الهندية، ترفض الخطَّاب العديدين طالبي ودها، وأسبابها مقنعة ومعلنة، عدا واحدًا خفيًّا، وهو أن أميرها الهندي لم يأتِ بعد. هي الآن تعرف أنه لن يأتي أبدًا، وأن عليها أن تظل أسيرة لدی الوَحش، وأن تتوقف عن مشاهدة الأفلام.

أردت بالأمس وأنا أربت كتفها أن أخبرها "البنت الجميلة ما زالت بالداخل، بكامل نضرتها" أردت أن أؤكد لها "بوسعك بالتعافي، بوسعك الفكاك" لكني عُدت لأتساءل: حقًّا؟ كيف؟ والطفلة تركل بطنها وتثبت قدميها في الأرض، بل تغوص بهما في باطن الأرض.

لو وضعتُ بحثي عن الغائبين في كفة وغياب البهجة عن قلب الجميلة في كفة، أي الكفتين تراها ترجح؟ الغائبون طبعًا. الغائبون هم كل ما يتبقی مني علی وسادتي ليلًا، أطيافهم تترك إطارات صورهم، تبسم لي وتقبِّلني. أطيافهم أطيب منهم. وعينا الجميلة أطيب. والأصدقاء الذين يتذكروننا أطيب. والعزلة أطيب.

31 يوليو 2014
* رسالة كانت موجهة إلى إبراهيم عادل.

2014-08-14

اعترافات لبنى

أعترف إني بمارس الاعتراف كتير، لكن مش دايمًا بصورة مباشرة، وأكيد مش تحت الضغط، الضغط بيخليني أعاند أو أخاف.

أعترف إني بخاف، لكن مش من الحاجات اللي بتخوف عادةً، وكتير بخاف من غير سبب، بفكر إنها ممكن تكون مشكلة عضوية مش نفسية. محتاجة أسأل دكتور :))

أعترف إني بقيت بسأل أكتر ما بجاوب، بجاوب الأسئلة بأسئلة، ومش بـ أقطع بالإجابات مهما كنت متأكدة منها في وقت من الأوقات، وده منتهى اللا طمأنينة.

أعترف إن مهاراتي في التعامل مع اللا طمأنينة تطورت كتير، خاصة بعد سنة وشوية من الحياة العملية، واكتشافي لإمكانية تحقيق الأهداف قصيرة الأمد.

أعترف إني عندي مشكلة مع الأمد في حد ذاته، والأكتر مع ازاي ممكن أواجه الزمن مع مزيد من الفقد.

أعترف.. في حياتي ناس -حتمًا- سأفقد عقلي لو راحوا أو اتخلوا.

التخلي بشع.

17 مايو 2013

* هذه كانت في سياق لُعبة بمجموعة من مجموعات المدونين على فيسبوك.

2014-08-13

يا وجع الطريق

أرغبُ في جزءٍ من اليقينِ بحجْمِه.

تسقط المحاولات والهرب. تسقط مساحيق التجميل.

الدجالون يعلمون ما يحدث تاليًا، وهم بذلك الأكثر جهلاً، أما أنا فأكتفي بكوني جاهلة، وأتماهى مع ألوان اللوحة الباهتة. لن أجدني في بقعة الضوء ولا في الهوة السوداء، سأمثُلُ دومًا في الظل، حيث لا شيء يبدو أطول ولا أقصر، ولا حتى كمثله.

هل أخبرتكِ بحكمتي، تلك التي عندما أدعي الحكمة: إكرام الآبق إماتته، والترحم عليه؟

أتعلمين ما المرعب؟ الأشياء تفقد قدسيتها واحدة بعد واحدة، الرحيل ليس لنا، والقرار ليس لنا، الشمس لهم كلهم لكنها ليست لنا، حيث "نا" هي "أنا" ومجموعي لا يصمد للطرح الدائب، إلى متى سأظل يُقتطع منا؟

آه، يا وجع الطريق!
حكمتي، صوتي، متفرّقاتي، بقايا همسي، كلها تنتمي إلي، تتركني وتتبع الآبق، التشتت يجذب، ومركز الكون ليس لنا، والعودة ليست لنا، الطفو لنا ... حسبتك تعرفين ذلك!

منذ شاهدت ذلك الفيلم الذي يموت فيه كل الأبطال إلا قليلًا، لم أختبر شيئًا بهذا الكشف. لم أكن أعلم أنكِ مكشوفة الغطاء، مغطاة حد السر وحد البوح.. يا حنااان!

حين تفقد القدرة على الاستحضار، تعلم أن اكتمال الحضور يعوقك.

الخوف، النضوب، يبدأ مع "التراك" الأول للأغاني الملعوبة في الخلفية، ولا ينتهي مع إخراسها، العفاريت لا تصبح ألطف حين تقلع عن الغناء.

تملكين الخيار؟ الدرس الأول: استخدمي ما تملكين قبل أن يفقدكِ.

هل لي أن أخبرك أولاً عن ربع ابتسامة الأسى التي هزئت مني، وهي تردد: الدرس الأول.. الدرس الأول.. الدرس الأول.. هل تتوقفين لإحصاء عدد "الدرس الأول"؟ هل تستذكرينه؟

11 يناير 2012

* وجدتها مجمَّعة تحت هذا العنوان والتاريخ، لكن ذاكرتي ليست واثقة، لعلها كُتبت متفرقة، وبعضها مقتطع من محادثة بيني وبين أخرى.
* تذكرت! ما بين هذه الفقرات غير المترابطة فقرات مماثلة كتبتها تلك الأخرى، وآخرون. كان أشبه بارتجال متعدد الأطراف، احتفظتُ منه بما يخصني.

2014-08-12

نَفَس

فيه واحد بيتنفس
وفيه واحد بيتخنق
وفيه أنا
بيخنقها النفس اللي فيها

11 مايو 2011

2014-08-09

صورة

صوِّرْني
علی صورتي في عينيْ حبيبي
صوِّرْني
علی صورتي التي لا يعرف
صورةً تطابقني
لعينيها عينانِ تحتويانِّي
فيهما العواصفُ لكنهما ثابتتان
لا تغادرانِ خطوطَهما المرسومةَ إلا
حين يبسم
تبسمان معه، تقبِّلانه
ثم تعودانِ إلی الصورة
صوِّرْني
علی صورته
دعْ لي تحريرَ ابتسامتِه
دعْ لهُ مطابقتَي

30 يوليو 2014

2014-08-08

#ساعة_كتابة 2

أحددُ موعدًا
لكن يومًا كاملًا يقفُ علی رأسِهِ فوقَ رأسي
يمنعني
وأيُّ كتابةٍ أصلًا؟!
ولماذا كلما فكرتُ فكرةً ساذجةً
قلتُ لي: لا تكتبيها.. ساذجة

كان يمكنني أن أكتبَ عن هذا الصباح
بقايا النومِ في عيني تريني ما لم أكن لأری
سائقُ الحافلةِ امرأةٌ نصفُ ممتلئة
تبدو سعيدة
شعرُها مصبوغٌ بالأصفرِ المضطرب
علی شفتيها طلاءٌ قاتم
وابتسامةٌ مرتاحة
وأحدُهم يهتف: علی جنب يا اسطی
فتنظرُ في المرآةِ بثقةٍ مومئة

والستُّ تغني:
ده الهوی العطشان
عطشان عطشان
عطشان في قلبي.. بيندهك

يمكنني أن أكتبَ عن داليا
ماذا عن داليا؟
عن البوحِ اليسير
أفتقدُ أن أبوحَ بيسر

أسألُ سجود:
لماذا لا يمكنني أن أحصلَ علی أذنين؟
أذنانِ لا تمانعانِ أيًّا من هراءاتي
أقولُ كلَّ وأيَّ شيء
ولا تنطقان.. أو لتنطقا بالراحة

15 مايو 2014

2014-08-04

الوصية

"هذه انتكاسة هرمونية عنيفة؛ إن كان بوسعك التخيل."

أتخيل أنكِ لا بد تختبرين مثل تلك الانتكاسة، لتصوغي مثل هذه العبارة. بعض العبارات خُلقت لتكون حقيقية ودالَّة، حتی وإن لم تكن صادقة تمام الصدق.

الصدق مأزقي التأثير علی ما تكتبينه إن كنتِ ممن أصابتهن نعمة الكتابة. وغير بعيد ما زالت تشغلني واحدة من تلك القصص التي تصلح لاستزراع الدروس واستخراجها؛ من أجل الفائدة (إذكاء روح الصدق).

إصراري علی استذكار القصة وقصها علی النحو الذي سترينه بعد قليل له دوافعه. منها: معظم ما أعرفه أحتفظ به في ذاكرتي لوقت قصير، يزول بعده ويبقی منه أثر غير مرئي، ولأسباب يمكن فهمها بسهولة، فأن أكتب شيئًا فأنا أطيل أمده، دعيكِ من حقيقة أني أقتله كذلك، فتلك نقرة أخری. الدافع الآخر، هو أنني وجدتُ أخيرًا مدخلًا مناسبًا ليكون مقدمة لوصيتي. يمكنكِ أيضًا أن تعُدِّي الرغبة في إفراغ رأسي من بعض الطنين الذي يسكنها، دافعًا آخر أساسيًّا.

بدر شاكر السياب، الشاعر الذي يظهر لنا في صوره رجلًا هزيلًا نحيلًا، من اليسير أن تتعاطفي معه حين ينوح ويتأوه شعرًا، رجل امتلك من الجرأة قدرًا مكنه من تسمية ديوانه الأخير باسم مقسوم نصفين؛ نصف لحبيبته ونصف لزوجته. (أسجل تحفظًا علی استخدام صفة الجريء هنا، إذ أعتقد أن المسألة لا علاقة لها بالجرأة، لكن هذا ليس موضوعي الآن.)

"شناشيل ابنة الجلبي وإقبال". نصيب الحبيبة من الاسم أكبر كما ترين. الشناشيل -كما أفهم- نوع من الشرفات العراقية القديمة، ربما تشبه المشربيات التي نراها في بيوت القاهرة الفاطمية، وكانت ابنة الجلبي فتاة في سن المراهقة، جميلة، يتطلع إلی شناشيلها كل يوم بدر المراهق، ينتظر لفتة منها تروي ظمأه وتنتقل بقصيدته من مرحلة "حني عليَّ" إلی "حننتِ؟ مع السلامة" لكن البنت لم تحن، والولد كبر، ونوّع الحبيبات، وتزوج "إقبال"، وشكا إليها تلك الحبيبات، في ديوان يضم الحنين إلی العيون المختبئة خلف الشناشيل، ويضم "أم الأولاد" السيدة الصابرة، جنبًا إلى جنب، وبينهما مشاعر وحكايات لا يخجل الشاعر من بسطها بدون تعقيد أو تقعيد.

حتی قاعدة أن أم العيال هي وحدها المحبة الوفية وأن "كل من أحب قبلها لم يحببنه"؛ حتی تلك القاعدة خرقها، وانقلب علی الست في إحدی القصائد يذمها ويتهمها بأنها سبب مرضه وعنائه. هذه القصيدة تحديدًا يُقال إنها حُذفت من طبعة الديوان الأولی (حفظًا لماء وجه الزوج اللطيف المحب)، لكن من تولوا إصدار طبعات لاحقة أعادوها (حفظًا لماء وجه الشاعر).

لا بد أن تتساءلي: هل كان بدر ليرضی عن عودة تلك الأبيات المسيئة، والجارحة للسيدة، وهل يسامح الفاعلين؟ رأيي: كان ليشكرهم. بدر كان يكتب الشعر لأنه يحبه، لأن الشعر يحب بدرًا ويحكيه. كان بدر يسجل ذاته شعرًا يشبهه، حتی إنكِ لا تحتاجين للبحث عن مصادر تثرثر كثيرًا حول سيرته الذاتية وخيباته العاطفية، ولمَ الثرثرة وقد كتب كل شيء بيده لا بيد آخرين!

طيب. أين الدرس؟ أين الوصية؟

أنا؛ لبنی، ليس لديَّ أحبة كثيرون كحبيبات السياب وإقباله، ولا شعرًا كشعره، لكنني لن يُحجب شيء مني. كل ما دونته في ورق أو مدونات إلكترونية أو صناديق بريدية أو غيرها، أريد له أن يُتاح كله، ما أخفيه وما أظهره، ما أحفظه وما يحفظه الغير، وما ضاع. انتهت الوصية.

3 أغسطس 2014

2014-07-26

#ساعة_كتابة 1

اللا انتماء أكذوبة يا مروة
أنا مثلا أنتمي للأشياء الناقصة
اكتمالها يفقدني اهتمامي بها
ونقصها يسترعي انتباهي للحظات
أنتمي للخوف من التجربة
وأنتمي للشغف باختبار الاحتمالات
لن تصلكِ الإجابات علی طبق من حذر
لكن اللا خطة تسوق إليكِ الكثير منها
ولن يكلفكِ ذلك سوی بعض التوهان
ربما اهتراء نعليكِ وقليل من آلام الركبتين
الكثير من أغاني أم كلثوم أيضًا
"قربك نعيم الروووح، والعين، ونظرِتَك سِحر، وإلهااام"
وتفكرين أنكِ لا تنتمين إلی قرب أحد
البعد -كما النقص- مغرٍ
كما الانتماء إلی الطرق
وإلی لحظات الإفاقة
والنظرة المستكشفة في مرآة كل صباح
وكأنكِ تعيدين التعرف علی حدود الممكن/ حدودكِ كل صباح
التكرار محبط
تخبرني إيثار أن البشر نسخة واحدة تتكرر
يختلف ترتيب الأطوار وتتباين مُددها
لكننا -أقول- ندور في الدائرة ذاتها من عدم النضج
متی يعرف أحدهم أنه كبر كفاية؟
متی نتوقف عن الافتتان بالروايات التي تحكي الأشخاص النيئين
نحبهم لأن كاتبيهم كانوا من الجبن بمكان
حتی أنهم استخدموهم كغطاء لانكساراتهم الخاصة
ومتاهات الطفولة التي علقوا فيها وما زالوا عالقين
يمتلكون شعرات بيضاء طويلة كمثل التي لدي
لكنهم -مثلي- لا يتوقفون عن طرح السؤال:
متی ستبدأ حياتي؟
لا في جانبها المكتمل
إنما
متی ابتداء النقص؟
نقصٍ يمكنني الانتماء إليه
14 مايو 2014

2014-07-22

حكاية لليلى

أحكي العباراتِ منزوعةً من سياقها:
"... إعياءٌ شديد ...
... هنا جسدٌ يموتُ للضمّ ..."
وفي صباحٍ آخرَ:
"... صباحاتُ الوقوعِ في الحب ..."
أين السياق؟ ما السياق؟
أنا مكبَّلةٌ يا ليلى يا ذاتَ الأوراد
تنازعني الأملاحُ على بقايا الصفوِ في دمي
بدمٍ غارقٍ في اليوريا، كيف أفكر؟
كيف أنظرُ إلى أيقونته دون أن أتخيلَ أنها تحدثني
كيف أتركُ ما للوهمِ للوهمِ وأتضح
ومعدتي، كيف تهضمُ كل هذا الأسى
المأساة: لا أستطيعُ الصراخ
لو استطعتُ لصرختُ بالرجلِ في الحافلة
لماذا تُراكَ تسافرُ من الهرمِ إلى مدينةِ نصر كلَّ يوم؟
لتعمل! وأنا أيضًا أعمل
أعملُ على إيجادِ مساحاتٍ للتنفسِ لا يسلبني هواءها أحد
ولا يعاملني آخرون كحالة
ولا بد أن يجدوا علاجًا للحالة
أنا سياقٌ صحيح، فيَّ ألم، وأمنياتٌ، وعوْداتٌ بيني وبينها نفسي
بيني وبين كلِّ شيء صمتٌ وفراغٌ وخرافاتٌ قديمة
وأقاربُ يريدون استعادةَ "لبنى بتاعة زمان"
لبنى الغابرةُ خيالية
لبنى الغابرةُ أهلكها السياق
وأسقطَها

7 يونيو 2014

2014-07-07

لكن

لي صديقٌ مثير
أكثرَ قليلًا مما يكفي
لألغيَ صداقتَه

أقولُ:
يا إلهي
يعجبُني عقلُه
أتوقُ للتحدثِ معَه
.
ثمَّ أتذكَّر:
خطوطُهُ الحادَّةُ تعجبُني أكثَر
وأنا صائمَة
.
فأخرَس

وفي خرَسي
أتأملُ ابتسامةَ حبيبيَ النائي
فكرتُها تدثِّرُني

أقولُ:
يا إلهي
يعجبُني عقلُهُ
وعظمُهُ
وابتسامَتُه
أتوقُ للإفطارِ مَعَه
لتناوُلِه
.
.
ثمَّ أتذكَّر:
إنهُ بارِد


٤ يوليو ٢٠١٤

2014-06-25

منى محمد أحمد عمران

عزيزتي ماما..

زي النهاردة السنة الجاية، لو كنت لسة عايشة، هكون عشت حوالي نص عمري وانتي مش هنا. هكون زي دلوقتي ببص في كف إيدي الشمال أتأمل الشوكة البني الغامق اللي دخلت تحت جلدي من 14 سنة، لا خرجت، ولا غاصت أكتر.

كل مرة كنت بفكر أكتبلك رسالة -والمرات كتيرة- كنت بلاقي نفسي بين إني أحكي كل حاجة، ومش عارفة أبدأ منين، ولا عارفة أتعامل مع الحكاية، وبين إني أسجل رسايل قصيرة كنسخ من الحوارات الدائمة -من طرف واحد- بيني وبينك، ومش هتتخيلي أنا بكلمك قد إيه.

في الأوقات اللي كنت بفقد ثقتي وإيماني بكل شيء، مكنتش بصدق غيرك، انتي اللي بتبقيلي من اليقين، ولو وثقت من حاجة فلأنها منك. أنا مؤمنة بيكي، وده مش سهل.

"أنا تعبت يا ماما." انتي عارفة.

انتي عارفة، أو يمكن متعرفيش إنك كنتي كلي، حتى بفرديتي، 14 سنة وأنا بشوف العالم بعيونك ومن جوا عقلك. عينيكي غمضوا وعينيا بيتفتحوا طول الوقت على أماكن انتي مش فيها، وأسئلة مش ممكن تجاوبيني عنها، وثرثرات مش ممكن تشاركيني فيها، لكنك حاضرة، أو أنا بستحضرك بوعي أو بدون، كل ما بصيت جوايا أو في الأفق الشارد. بشوفك في قوتي وقدرتي على النجاة، بتكوني العنصر الخفي، عنصر في التركيبة ذاب، لكن الروابط اللي خلقها مع العناصر التانية مخزنة طاقة مش خافية. انتي مصدر يا ماما، وانتي النهاية اللي بتخيلها لما بتخيل النهاية، انتي نقطة الهروب اللي بيهرب لها كل خوفي وقلقي وانهزامي وتبددي.

ليه مش سهل أؤمن بحضنك المطلق ووجودك المسيطر غير المفسر؟ لأن البُعد بَعد البُعد علمني أصدق اللي بشوفه وأسمعه وألمس حرارته، وانتي بالمقياس ده مش موجودة، لكنك موجودة جدًّا في الفكرة، وفي الذكرى؛ عُمر كامل، وفصل ضخم وأساسي من القصة. موجودة في: "تعبت يا ماما"، "فينك؟"، "شُفتي اللي حصل؟"، "شُفتي الحيرة، الفرحة، الأسى؟ وازاي الحالات بيتغيروا ويتبدلوا ويكونوا في لحظة الشيء ونقيضه؟"، "شُفتيني؟"

الأغبيا فاكرين إنك لو شُفتيني فعلًا هتزعلي. قوليلهم إنك انتي اللي هتفهمي يا ماما وهتحسي، وإنك بتحبيني زي ما بحبك، لأنك كنتي هناك من الأول، وانتي اللي هتبقي في الآخر، وأنا منك ومفردة.

2014-06-19

ظِلِّي أصدَقُ مني

يمكنُه أن يكونَ في كلِّ مكان
يمكنُه أن يكونَ في الهواء
لكني أخفُّ من أن أراه
أكثرُ تراقصًا من أن ألمسَه
يمكنُه أن يحوِّلَ قِبلتَهُ إليَّ في صلاةِ الحُلم
لكني أصدَقُ من أن أتحقَّق

2014-06-18

من غير

زي اللي بيطلع جبل
من غير رجلين
ولا أجنحة
لكنه مضطر يطلع
أو ميطلعش
كل أفعالي -بفعلها/ بفعلهاش- تسلُّق بائس
حتى النفس

2014-06-15

لا تحدُث

تدورُ حولَ نفسِها
دورةً شبهَ كاملةٍ/ شبهَ ناقصة
الشاعرة

على مسافةٍ غيرِ متساويةٍ
من ذاتِها، تقفُ/ تتراوح

وبرنامجُ المحادثةِ التي
لا يَقرأُ حديثَها الذي
مسافةٌ إلى مسافةٍ إلى مسافة

2014-06-07

الوجه الآخر للفراغ

أسماء تتحدث عن لعنة التوثيق
لا تكتمل الحكاية/ الشعور إلا إذا صيغ نصوصًا
متخمة بالكنايات
أو صريحة

أسماء تعافت، قالت،
وأنا أُحتضَر

هذا الامتناع الطويل يؤلم
كانتفاخ قدميَّ في نهاية يوم ثقيل
وتلوُّن أطراف أصابعي بالأزرق
كالضغطتين كل صباحٍ وكل مساءٍ
تصر عليهما الزميلة باعتيادية وسذاجة تغيظني
أنا أكره هذه الأحضان الغبية يا عزيزتي
وآمالي مقطوعة في أخرى ذكية/ أزكى

هذا الامتناع عن الإتاحة يؤلم
المسوَّدات غير المنشورة تزيد مزاجي قتامة
الرسائل غير المرسلة تسمم صندوق البريد وتسممني
كرغبتهم المعلنة في تشييئي حينًا
وتصييري إلى لا شيء في أحيان كثيرة
وأنا -متألِّمةً- أستكشف ذاتيَّتي بصبرٍ لا يفهمونه

2014-05-31

إلى فتاة الباليه

رسالة إلى أماني
رسالة عميقة إلى أماني
رسالة في المطلق سأجعلها إلى أماني لأنه عيد ميلاد أماني
خليها: رسالة إلى أماني

عزيزتي أماني

أول ما خطر ببالي، وأنا أفكر في فحوى رسالتي إليكِ هو أنني لا بد أن أخبركِ بأن كل ذلك سيزول. سأقول: كلنا كنا في الثالثة والعشرين، كلنا كنا في آخر سنة في الهندسة، كلنا كنا متأزمين وجوديًّا، كلنا كنا كبارًا وصغارًا في نفس الوقت، وحيدين وبائسين ... كلنا كنا، ولكن ذلك لا يعني شيئًا، أنتِ تكونين، تعيشين ما تعيشينه الآن، وحدكِ، كما نحن وحدنا؛ كل واحد. لا تكوني إذن آخر واحد يتخلى عنكِ. أعلم أنكِ ستظلين إلى جانبكِ، وأن كل ذلك سيزول.

لا شيء يزول تمامًا يا أماني. التشابه مرعب بين ما يرعبنا ونحن في زمن طفولتنا، مراهقتنا، شبابنا وكهولتنا. ستقولين إننا لا نعيش إلا زمنًا واحدًا كئيبًا وإنه ليس ثمة ربيع ولا حتى صيف. أنتِ محقة، وهذه في حد ذاتها واحدة من كرات الثلج التي تظل تكبر معنا. نحن واللحظة الراهنة -سواء أكانت في الماضي أو الحاضر أو المستقبل- لسنا على وفاق، ولياقتنا دائمًا مطعون فيها. أم هي لياقة اللحظة؟

لم تفهمني أسماء حين قلتُ لها -كتابةً- إن الافتراضي يعمِّق وحدتنا. طلبتْ التفسير، ولم أدرِ من أين عساي أبدأ. الإيمان مدار كل شيء يا أماني. يمكنني أن أؤمن بأن لدي مئتي صديق وصديقة، أقرأ لهم ويقرأون لي، أهنئهم بأعياد ميلادهم وينهئونني، أحمل لهم مشاعر طيبة، وأفكر فيهم في قسم كبير من يومي، وربما أهاتف بعضهم في مناسبات نادرة، وألتقي آخرين أقل في مناسبات أكثر ندرة، وربما نصنع لبعضنا البعض المفاجآت السارة، نحضر حفلات توقيع الكتب الكثيرة التي نكتبها، نهدينا الهدايا افتراضية وملموسة، وربما نطلب مقابلة أهلينا لنطلب أيدينا إذا لزم الأمر، ربما وربما. ما دمنا نملك ذلك اليقين أو الوهم اليقيني، يمكننا أن نمتلك عددًا غير نهائي من الأصدقاء. نقطتان وقوس مفتوح باتجاههما: ابتسامة: نحن راضون. نقطتان وقوس معكوس: تقطيبة: نحن حزينون. وهكذا، يمكننا التعبير دون إرهاق عضلات وجوهنا، أو تكلف الحمرة في الخد والحرارة في اليد. أنا لا أملك إيمانًا مماثلًا يا أماني، أو لنقل إنني أحاول ألا أعطي الأمور حجمًا أكبر من حجمها. هل أوفَّق دائمًا؟ ليس تمامًا. الوقوع تحت طائلة الوحدة، وانغلاق كل أبواب الأنس إلا باب الافتراضي، وتماس ذلك الافتراضي مع الواقع بدرجات متفاوتة، اجتماع هذه الثلاث قد يجر الواحد إلى السير مرغمًا في درب الأمل، لعله يصل إلى نقطة تحقق واكتفاء، أو إلى فراغ أقل اتساعًا، وبرد أدفأ. أقول لأختي: لما هحب مش هكلم اللي بحبه على الفيسبوك أبدًا، ترد: هتضطري.

مضطرةً أكتب لكِ يا أماني. لستِ قريبة في المكان فألتقيكِ لأعطيكِ قالب الكعك الصغير بالشوكولاتة، والوردة بيضاء اللون، ونسخة من هذه الرسالة مطبوعة على ورق أو منقوشة بخط يدي، ومن يعلم ماذا أيضًا، فربما أعجبني شيء في زيارة خاطفة إلى محل الهدايا، وفكرت إنه لا يليق إلا بأماني وفرحتها به. السؤال: هل لو فعلتُ وفرحتِ لكان ذلك حقيقيًّا وغير موصوم بالزيف نفسه الذي يرعاه الافتراضي؟ لا أدري. لم نلتقِ كثيرًا لأحدد. كان لقاؤنا الأطول قبل ثلاثة أشهر، شاهدنا معًا راقصي وراقصات الباليه، التقطنا الصور، تناولنا العشاء الخفيف معًا، أمسينا وأصبحنا معًا، لكنني ما زلتُ لا أستطيع التحديد.

تمنياتي لكِ بسنة جديدة حقيقية يا أماني.
كُوني.

2014-05-09

وحنيني إليك موجود

لسببٍ أو...

«فكري طول الليل في ليلك
والنهار»

والغامسةُ إصبعَها في العسل
والمرأةُ في الثيابِ السود
عابسة
تتسعُ عيناها اتساعًا ضائقًا أعرفُه

«بس أنا نسيت الابتسامة»

تلعقُ الحلوةُ العسلَ عن أصابعِها
وتمسحُ بالمتبقي على عنقِها وصدغَيها
ينخرُهما الشوْق

 «وكفاية بقى تعذيب وشقا»

شقا الشفيقة يبسم للقطعةِ منها
ثِنتاهما تفهمانِ النظرة
وأنا بينهما
أربِّتُ بخاطري على ثِنتيْهما

تتثنَّى المبعوثةُ
ترقصُ رقصةَ القيامة
تقومُ
تقومُ جميعُ هواجسِها:
أحبُّكَ يا جنرال

«سوفَ تلهو بنا الحياةُ
وتسْخَر» يا جنرال

يا مرسومة
منذُ ما قبلَ الرؤية
داخل مرآةِ «الهجر طال طال»
ستضِلِّينَ الطريقَ إليكِ
يومًا ما
يومَ تنغلقُ هاتانِ العينانِ
جدًّا
ستفوِّتينَ كلَّ هذا النعيمِ المتألِّم

 «ونظرِتَك سِحْر»

وانسحاقُ البرتقالْ بين يدَيْ عاصِرَةِ البرتقالْ
كلُّ قطرةْ تَنبُتُ شجرةْ

«حسِّيت كإنِّي اتخلَقْت تاني»

وما علينا لو أنَّ الكونَ يبيد
كلَّ مرة، ويكونُ من جديد
كليلةٍ زرقاءَ لقمَرِها شعاعٌ أزرق
وذراعانِ زرقاوانِ ملتفَّتانِ
وضحكتان

 «اتنين في الحب»

و«كلُّ ليلٍ إذا التقينا صباحُ»

ولسببٍ أو...

وأنتَ
والمدى
والمُدَّة
والتمدُّد

 «أوصفلَك يا حبيبي ازاي؟»

2014-05-05

في قلب الفكرة


هي مش ملحوظة محدش لاحظها قبل كده ... لكن في الوقت اللي كتير بيعتقدوا إن تعريض شخص ما لفكرة ما بيُنظر لها على إنها خارجة أو غير مقبولة أو غير مستحبة، فده بيخليه فريسة سهلة للتأثر بيها، وإنه "بلاش تقرا الكتاب ده، بلاش تتفرج على، تروح لـ، تتعامل مع، تفكر في..." خوفًا على وضع فكري وقيمي وسلوكي ما ... في نفس الوقت ده، بتلاقي ناس بيجمعوا بين الإحاطة المعرفية والانفتاح الفكري، وبين المسالمة والتقليدية في التطبيق، لدرجة إنه من الصعب تقرأهم وتبني استنتاجات تخص المعتقدات المبطنة بناء على المنطوقات، أو تخمن سلوكهم واستجاباتهم بناء على معتقداتهم.
اللي عايزة أقوله؛ إن البعض ممكن يكون في قلب الفكرة لكن مش متأثر بيها فعليًّا.

2014-04-30

أتهادى


عايزة لما أموت أحضنني
أقولي إن كل شيء هيبقى كويس
إنه بقى كويس فعلًا
أشرحلي ازاي إن التحلل مش محزن
ولا مقزز
بل عودة للعناصر الأولى
وديار أولى أجهدني البحث عنها
والتقيت حدودها أخيرًا
وإني عندي متسع للسكون
على العتبة
من غير ما أشيل همّ إني أخطِّيها

2014-04-28

إلى إيميلي وآخرين


أعرفُ ناسًا قلائلَ عندهم شغف
لا على طريقةِ "سأكونُ يومًا محمود درويش"
الشغوفون الذين أعرفُهم لا يعرفون ما يريدون
منهم من "ليكونَ" تخلَّى عن حواسِهِ طواعية
أحلَّ محلَّ كلِّ حاسةٍ أغنيةً عاديةً، أو فيلمًا مَزجًا من السحرِ العادي
الشغوفون الذين أعرفُهم عاديون
مصابون بفوبيا الثناء
لا يبوحون، ويفزعهم "في آن" البوحُ المكتوم

2014-04-19

ربما لأنك

لم أقف على قبرك أبكي
ربما لأني لا أعرف مكانه
لم أصدق يومًا أنك مت
ربما لأني أعجز عن تصديق الحياة
لا أشتاق إليك
ربما لأني لا أذكرك
ربما لأني لا أنسى
...

16 أبريل 2014

أحمد نور


ليا كام يوم بحلم بيه كتير على غير المعتاد.

السيد أحمد نور لم يكن شخصًا عاديًّا، لكنه أتى وذهب دون أن يعرفه أحد حق المعرفة، بما فيهم أنا التي عرفته في سنين عمرها فقط، وبما فيهم رفيقته التي لم تدرك الشيخ الرقيق الذي كان عليه في سنواته الأخيرة.

كان ذكي، بيفهم في حاجات كتير وبيعمل حاجات كتير أكتر مما يستوعبه عُمر، وكان جبل من الصبر والمقاوحة، كل ما الدنيا تهد له حاجة يبني غيرها، ولما راح راح دائن أكتر منه مديون، وكان بيكتب حلو، وطبعًا مش باقي حاجة من شعره ومقالاته، وكان خطه حلو، وليه شخبطات حلوة، وامتلك أحد أكتر الأصوات المطمئنة في العالم وعيون وهيبة، وكان مؤمن، وكان عنده تضخم في عضلة القلب.

2014-04-17

إيمان؟

كله بيحصل جوا، وسواء كان حقيقي أو لأ فالعبرة بالتصديق.
جربت النهاردة لعبة الملك والكتابة، ادتني إجابة معجبتنيش، قلت دي علامة. مصدقتش أوي، ومشيت مع الإجابة التانية، ولقيت نتيجة أولية سيئة للغاية، فقلت دي علامة تانية، مينفعش تكملي. لسبب ما، فضلت ماشية عكس العلامات، لقيت نتيجة كويسة، تكاد تكون اللي كنت متخيلاه بالضبط. مش هعتبرها علامة، لكني هكمل، رغم الضوء الشحيح.

2014-04-04

أوشك الصمت حولنا أن يقوله


لو أمكنني أن أستبدل بالفراغ الذي في نفسي الرجل ذا الوشاح الأحمر، يجلس على بعد سبعة أمتار من صديقة بعيدة، يحتسي حسوات من القهوة، تنتشي لها شعرات ذقنه نصف الحليقة، فتبدو خربشات رجولته أكثر إثارة، ويبسم فيتداعى الفنجان حتى ليكاد يهوي من بين أصابعه.

عذرًا، كانت هذه محاولة مبتذلة لوصف مشهد مبتذل، باستخدام أسوا الكليشيهات الممكنة.

أعود لأشهد عينيه الخضراوين، وأتذكر أني لا أحب العيون الخضر، لكن شيئًا في نغمة صوته يجذبني إلى داخله، على الرغم من أن ساعتين من الزمن قد انقضتا وأنا أرهف سمعي لكلمة قد تصدر عن عمقه، وما أدركت منه سوى همهمات. هو رجل صوته جميل إذن في الهمهمة!

محزن أني لن أتمكن من إضافته لقلبي لبعض الوقت. أفضل له. وأكثر إلهامًا لي؛ فذوو القلوب النابضة لا يجدون ما يُكتب عنه. النبض ممل ورتيب (إن كنت تفهم قصدي يا ذا الوشاح الأحمر).

بالمناسبة، لعلك تعرف أن الأحمر لوني المفضل. مرةً خرجت في موعد مع نفسي، وظللت طيلة الموعد أترقب حبيبي الذي لم أشركه معي ونفسي في الموعد. ظننت أنه سيأتي من تلقاء نفسه، أو بالأحرى، سيأتي لأنني أرتدي سترتي الحمراء التي تجعلني كفلقة من قلب وفلقة من زهر. ظننت أن كونك زهرة في نهايات الشتاء، يلزم الحبيب الإتيان إلى حيث يهز ساقك الخضراء نسيم السِّحر.

ما هكذا تجري الأمور على كل حال. فمثلًا، في الوقت الذي تتناول فيه طعام إفطارك مع أمك الستينية ذات الذراعين الضامتين، أقبع أنا أمام صفحة النيل شبه الراكدة مياهه، وأكتب.

اعتقدتُ أن الكتابة عرض جانبي. الأشياء تحدث، وتأتي الكتابة حين تأتي كناتج، كحدث على هامش الأحداث. وفي حالتنا نحن المتوحدين المنغمسين في الوحشة ومرادفاتها، تكون الكتابة في قلب الحدث وربما الحدث ذاته.

الحدث الآن أني أكتب، وعلى الهامش أفكر في الصديق الذي ليس صديقي جدًّا، والذي أعرف أنه سيكون هنا بالجوار، وأنه لو كان لنا أن نلتقي عرَضًا، لكان ذلك مؤنسًا ومبددًا لوحشة الانتظار، لكنني لن أفسد الكتابة وحيدةً، بدعوة صديق قد أكره صحبته بعد دقائق.

الفتى الحلمُ أيضًا. تعرف يا ذا الوشاح أن فكرة دعوته على طريقة:
"عزيزي الفتى، لدي تذكرة إضافية للحفلة، وأتمنى أن ترافقني بخفتك المعهودة. لن أكلفك الحديث ولا الشعور، ولن أخبرك كم أعشق الطريقة التي تنطق بها السؤال عن "الأخبار" و"الأحوال" وكأن كل حرف تنهيدة جبل، وهبَّات سلام. لن أسألك عن شيء، وكم وددتُ أن أسألك عن كل شيء. ولن أهمس لك: لا تفلت يدي المصافحة يدك وشدَّ عليها أكثر، يمكنني أن أتحمَّل. يمكنني احتمال صمتك وصراخك اللا نهائيين. ويمكنني أن أغرق معك حين تغرق، وأخوض في السحاب معك حين تخوض، وأن أكون القمة حين تعلو وحين يأخذك القاع. يمكنني أن أبلغ قاعك، ولسوف لن أحدث هنالك جلبة. أعلم أنك تحب الهدوء، وأنك نبي، وأنا باشرت منذ مدة أولى دروسي في النبوة. وأعلم أن الطريق إلى القداسة محفوفة بالحب، وأنا يائسة للوقوع في الحب. وأعلم أني لن أقع فيك. علمني، ولتعد بعدها إلى قراطيسك وطلاسمك، ولتكتب عني قصيدة لا تحمل اسمي ولا تصطبغ بلوني، بل بفلسفتك حين غازلَت فلسفتي، وبشفتيك حين نبستا بحرفي، وبنار المعبد حين اغتذت بحُلمينا وحلمتي نهديَّ الشاخصتين إلى حلمتيك، تودان لو اندغم الصدر في الصدر ووَفَر النفس."

أنا أنتظر يا ذا الوشاح، يا أخضر العينين، يا حبيب أمِّك. وأعلم أن فكرة الفتى محض فكرة؛ مثلك تمامًا، ومثلي، مثل صديقي الذي لم يظهر حتى الآن، ومثل صديقتي التي تبعد عنك سبعة أمتار، ومثل الولد الذي يغني عبد الحليم وحوله بنت تحبه هو وعبد الحليم، ومثل ليلى المريضة في العراق. (ما حكايه ليلى صحيح؟) ما يدريك أنت!

بمناسبة الحكايات، وجوه عدة حكَت وجه الفتى اليوم. كلما ألتفتْ أرَ ولدًا مهوَّش الشعر، ترابي الملامح، تائه العينين صافيهما، طائر الجنان، كماه. لا أريد له أن يكون أحدهم صدقني، أنا فقط أرجو أن لا تأتي ذكرى رؤياه السنوية الثانية، إلا وأنا حيث لا أعرف، أراه بقفا عيني، أستدير فأسأله: أنت الفتى الحلم؟ مرحبًا، أنا الحمقاء التي لم تعد تحلم بك، يا غبي.

3 أبريل 2014

2014-04-03

يبددني ضوء الصباح

كنتُ أجلسُ إلى البيضاء:
ماذا كان حُلمُ الأمس؟

كان قصيدةً
كان حديقةً تتفتَّحُ وتتفحَّمُ
قُبيلَ انتباهةِ الغافي بسِنة
كان العصافيرَ
تزغردُ في مفتتَحِ صحوةٍ مُوحلة
كان روايتي على لسانِ المُحال
كنتُ أحلمُ وأكتبُ

كنتُ.. وصرتُ..
أكتبُ الحُلمَ في الحُلمِ
أجلسُ إلى البيضاء:
ماذا كان حُلمُ الأمس؟

كانني و...

2014-03-08

بقى شيء مالوش معنى

"وحنيني وشعوري بقى شيء مالوش معنى"

لأسباب متعلقة -على الأرجح- بالنغم الداخلي، السطر ده بصوت حنان ماضي بيتكرر جوايا كتير مؤخرًا، وكل ما يتكرر بكل البؤس وكل الاستسلام اللي فيه، بتغيب عني الأغنية، بيغيب عني السياق؛ إنه إيه اللي خلاها تحس إن حنينها اللي بتحسه غصة حزن في الفرح ووجع زيادة في الوجع، وشعورها اللي محدش بيشعره غيرها ومينفعش هي تكدبه عشان لو كدبته هتكدب كل حاجة تانية، وهتكفر بالشمس ولو طلعت وبالبحر ولو ثار، إيه اللي يخليها تحس إن حنينها وشعورها بقى شيء مالوش معنى؟

رضوى بتقول إني شجاعة، صريحة مع نفسي. ياه يا رضوى لو كانت الشجاعة إني أقول: "أنا مش فاهمة".

محركات البحث بنفوذها وتغلغلها، بتسمح لنا نسأل ونلاقي إجابات محتملة، دقيقة أو مش دقيقة، موجودة أو مش موجودة، لكنك بتدوري على "وحنيني وشعوري بقى شيء مالوش معنى" بتعرفي إنها "ليلة عشق" وإن دي قصة تانية مختلفة.

الحقيقة إني مش مهتمة أوي أعرف حنان كانت بتفكر في إيه وهي بتنفي وجود المعنى بعد ما كانت بتثبته/ بتختبره، أنا مهتمة أفهمني، وللصدق مش شايفاني بحقق تقدم كبير في ده.

بحاول أسألني أسئلة بسيطة، أو أوجه لي واحد أو أكتر من الأسئلة اللي بيكون عندي فضول أعرف إجاباتها من صديق بعتقد إنها عنده، مش عنده في المطلق، لكني مهتمة أعرفها منه هو تحديدًا. قد أكون سألته/ سألتني، لكن في الأغلب الأعم بنسحب، لاستشعاري قد إيه ده شرير.

إيه الحاجات المهمة في الحياة يا لبنى؟ في حياتك انتي، جاوبي عن نفسك. (صمت)

معرفش إيه هي الحاجات المهمة في الحياة، ومش متأكدة إن كان فيه أي حد في العالم مطلوب منه أو مفترض يكون عارف.
الحاجات المهمة بقت شيء مالوش معنى يا رضوى.

2014-03-06

الغرق لا يشبه الغرق

الحكاياتُ الباردةُ
تلكَ التي تشبهُني
لا تنفذُ إليّ
حرارتي مُسيَّجةٌ بِحرِّي
أستغيثُ
لا لتنتشلَني فرقُ الإنقاذ
أصرخُ
لأقيسَ بُعدَ الحاجزِ عن المحجوز
أنغمرُ
لأونسَ كِياناتِ القاعِ المنبوذة
وتحدُّباتِ الذاكرة
جِسمي مُنقلَبُ المسافرِ
يقصدُ وجهاتٍ مُجهَّلة
ورأسي مَسار
التفافاتٌ
يَتلفُ الحنينُ المُثار
أغرقُ
الغرقَ يشبهُ الوعي
يشبهُ غيابَهُ
يشبهُ الغابةَ كلُّها أليف
وأنا شريدةٌ
شعري أعشاشُ طيور
جلدي لمْساتٌ أحفورية
خيالي هواءٌ مسَّهُ ماء
لطْخاتٌ من هوًى مَغسول
الأرضُ بين ضلعي وضلعي
تبتلِعُني
ولا سماءَ لي

2014-02-14

الفتى الفكرة

حلمتُ بفكرتكَ الليلةَ الفائتة
كنتُ أفكر
ورأسُ رجلٍ غريبٍ في حِجري
غريبٌ ووديع
عاري الصدرِ مُغمضُ العينين
خليُّ البالِ
وبالي مشغولٌ بك
كنتُ أفكر
والبنتُ تحتَ جِلدي
منتشيةً
تُعيرُ الوسيمَ وجهَك
كنتُ أفكر
والرجلُ الممدَّدُ بسلامٍ بين رِجليَّ
يقبَلُ يدي الممدودةَ إلى قلبِه
ويردُّ وجهَك

2014-02-08

في إجابة لسؤال عن الجديد

كنت منقطعة فترة عن الكتابة، رحت الغردقة في رحلة تبع الشغل، رجعت، حضرت ماراثون كتابة كتبت فيه كتير بس مكنتش مبسوطة باللي كتبته ورجعت للإضراب تاني، لحد ما حصل حاجة من حوالي 10 أيام، التقيت حد ملهم، كتبت يومها نص غير منشور، وبعدين كان فيه حلم، كتبته، وحلم تاني وكتابة تانية ...

دي باختصار حياة الأشخاص الخياليين، لولا شوية الواقع اللي في البيت والشغل، كان زماننا لقينا نفسنا جوا كتاب، ومستنيين حد يقلب الصفحة عشان الكابوس يخلص

2014-02-07

اتكاءة

بين خيارين: إنك تكتبي اللي عايزة تكتبيه فعلا وتحجبيه بحجة عدم صلاحيته للنشر فيفضل في مدونة ضلمة أو فايل وورد جوا فولدر جوا فولدر، والخيار التاني إنك تكتبي عن اللي عايزاه بعد اختصاره وتحجيمه وتبديله بكلام تاني خالص (صالح للنشر)، وبيكئبك برضو، ويخليكي حاسة بالهدر، إنك شيء ما مهدور ومثير للشفقة وعبيط، وإنك لازم تبطلي تكتبي، وإنه صوموا تحتفظوا بقلبكو.

الخيار التالت والمش محسوب إنك تاخدي من الخيار الأول مباشرته ومن التاني فضائحيته، وتتحملي أعراض ما بعد الاعتراف. والجميل حضرتك إنه حتى لو ده حصل، مفيش حاجة هتتغير. الفتى الحلم وحكاية الفتى الحلم قد لا تكون حقيقية بقدر ما هي بترمز لنسق ما من الخيبة وانعدام الثقة، وإنك مش عارفة انتي بتفكري في إيه، ولا قادرة تحققي وتتحققي من إيه.

بعد ما رجعت من رحلة الغردقة، كنت بمشي معظم الأيام وفي شنطتي برطمان غطاه أحمر، كنت شارية فيه رمان مفروط، والرمان من مسببات البهجة بالنسبالي. البرطمان كان على قد غرفتين الصدف اللي جمعته من البحر، ومعاه وردة بيضا وورق أخضر من نبات ما ريحته بتكون حلوة أوي بالليل وبتساعد على التنفس، خاصة لما ترفعي راسك لفوق وتلاقيكي في مركز القبة، وانتي مركز والماما شعاع نافذ في المدى، وأمنية إن الفتى الحلم أو حد بخفته يكون معاكي في نفس المكان بعد سنة أو حتى بعد كتير، وبدل ما تحمليله الحجر اللي شبهه مسافة أميال، وتلاقي نفسك في لحظة خوف على الطريق الدائري يوم جمعة عايزة تلاقي مسوغ منطقي وإنساني يخليكي تطلبيه لأول مرة: "أيوة، أنا لبنى، احتمال أموت دلوقتي، معايا الحجر بتاعك، ابقى خليهم يدورولك عليه بين الأشلاء ... شكله إيه؟ انت هتعرفه، مع السلامة". في فيلم تاني غير الفيلم ده، كنتي هتلقطي الحجر من الشط، تبليه في الماية الزرقا، تحطيه في إيده قبل ما ينشف، وتضمي الحلم على الحلم.

عارفة لو صدقتي إنه ممكن! ممكن زي طلته من الفراغ -ودايما لما بيطل بيكون كل اللي حواليه فراغ- وزي السلام، وزي ردة الفعل الرمزية على كصبحٍ أوَّل واللي خلتك تثوري وتتخبطي، تسيبي مكتبك وتقفي على درابزين الكورت: "أنا عايزة أنتحر يا إيمان". ترد إيمان: "لو نطيتي من هنا مش هتموتي، دوري على مكان تاني".

إيه! المشكلة إنه بيقرا ومش فاهم؟ ولا إن انتي بتشتغلي نفسك؟ ولا إن الحلم ملوش معنى أصلا؟ أصلا لو عرفتوا تبقوا اصحاب -مجرد اصحاب- هتبقى نهاية سعيدة بالنسبالك، ودي حاجة في حد ذاتها مهمة، ومش لازم تبوظيها بوهم الفتى الحلم، لكن المشكلة إنك مش عارفة تبدئي منين، مش عارفة تصنعي الأحاديث الصغيرة جدًا، زي حديث حلم النهاردة.

في الحلم كنتي متكئة ومتكئ، بتحكيله عن الموبايل اللي شاشته ابيضت ومش لاقية طريقة تسترجعي بيها رقم التليفون بتاع الشغل اللي قضيتي نص يوم عشان تجيبيه، وإنه ازاي الرقم الوحيد من أرقام كتير مؤخرًا اللي مكنش محفوظ في دماغك، وبلا بلا بلا. النوع ده من الحديث بتاع كل يوم، مش بتاع المنحوتات المهذبة، بتاع الراحة والاتكاء.

2014-02-04

بغض النظر

كنت بقول أي حاجة عشان أنهي مكالمة متأخرة غنت لي بنت رقيقة في أول دقيقة منها أغنية بحبها.. قصيت من ساعات نومي 6 ساعات على الأقل.. اتحركت من السرير قبل 10 دقايق بالضبط من معاد نزولي.. طلعت بؤسي في صريخ في البنت أختي على الصبح عشان بدور على كتاب في آخر دقيقة من العشر دقايق ومش لاقياه.. كملت بشوية عياط على السلم.. زعقت للقطة اللي بتقف وقفة مريبة على باب العمارة ليها يومين.. جريت.. خدت مكاني في الباص، طلعت النظارة السودا، غمضت عيني وكملت عياط.. فيه حاجات حلوة بتحصل، بحاول أتغاضى عنها مش عارفة.

2014-02-02

كصبحٍ أوَّل

عُدتَ إلى الحُلم.
مرحبًا.
تصيرُ حقيقيًّا يومًا بعد يوم
وأُجنُّ أكثر.

أنتَ أوَّليٌّ بأكثرِ الطرقِ إثارةً للتفطُّر
تجمعُ بين أقصى العنصريةِ وأقصى التركيب
مُتوقعٌ جدًّا وغيرُ مُتوقعٍ ... جدًّا
مثيرٌ لكلِّ الحواسِ وللا حسّ
أليفٌ وبريٌّ
جارٍ وراكد
صوتُكَ، هيئتُكَ، مفازاتُك:
ماءٌ وهواءٌ وترابٌ ونارٌ وصخرٌ ... كلُّها
وكلُّها في أنقى صورِها
مع أثرٍ ناعمٍ لأدواتِ التشكيل
منحوتةً طبيعيةً أوليةً مهذبة
تغري الرائي والسائر بمحاذاتها بالانصهارِ حينًا
التسامي حينًا
تحيُّنًا لاندماجٍ محتملٍ/ غيرِ محتملٍ
اندماجِ بعضِ عنصرٍ ببعضِ عنصر
المضيِّ صُحبةَ هدوئِكَ وهدايتِك
تحلُّلٌ ... وائتناس

تؤنسُني فكرتُكَ
تُصيبني بالصداع
وضيقٍ في التنفس.

2014-01-20

عينان

البنت في الفيلم كانت تفقد بصرها بالتدريج، تتخذ مقعدها في صالة العرض، وصاحبتها إلى جوارها، تصف لها الحركات والرقصات، تستخدم أصابعها لتصنع عرائس تحاكي قفزات فتيات الباليه لكن لا على خشبة المسرح بل على باطن كف البنت التي تتضاءل قدرتها على الرؤية وتتعاظم رؤاها.
كنتُ البنت التي تتخذ مقعدها في صالة العرض، تتابع بعينيها البنت التي تفقد عينيها، وفجأة، أظلم كلُّ شيء، وكان صرير المقاعد والجدران التي تُرفع حولي صامًّا لأذني، ثمَّ لم أعد أسمع أي شيء. لم أحرِّك ساكنًا للحظة، غير أن انسحاب المقعد من تحتي أرغمني على النهوض. وقفت مكاني هنيهة. لم يداخلني خوف.
رُحتُ أدور حول نفسي دوراتٍ تامةً؛ ثلاث دورات، وما إن شرعت أطوِّح ذراعيَّ في الهواء منتشيةً من أثر إيقاعي الداخلي الذي يقود خطواتي، حتى انطلق صوتٌ من بعيد، كأنه غناء كروان، يأتي من لا مكان. واصلت رقصتي، واصل شدوه، وفقاعة من عطر تحتويني، لا تكسرها تكسراتي، أتمدد فيها، ويتلاشى الزمن.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

قرار

أعتقد أن كلمتها ستظل دستورًا لي لأعمارٍ قادمة. "أنتِ لم تقرري بعد"، قالت ريهام، فعرفت كيف أعرف أواني وكيف أستفز ساعتي حتى تحين.
ما يبدو وكأنه معاندة لنداء الكتابة وامتلاء البال بما يُكتب، ما هو إلا انتظار للحظة الذروة التي يكون عندها إما الآن وإما أنتهي. وما يبدو وكأنه تهرُّبٌ من المواجهة، ما هو إلا اختبار لدرجة الظمأ: إما وجهه وإما التراب.
لم أقرر بعد شيئًا بشأن الذي يسكن السماء، ولا أتعجل. كما لا أبحث عن وسادة لا تبتل، ولا قريب من الروح يقترب من البدن، ولا معدل حرقٍ يرضي الميزان. لا أكلفني التبرير والتفسير، ولا ألومني على خوفي المرضي من فقدي إياهم أو فقدهم إياي. أقول لأختي: نحن لسنا نحن في جميع مراحلنا، لكننا نكون لبعضنا البعض في بعض تلك المراحل، نحاول أن نظل، نحاول أن نذهب إلى المدى الأبعد، لكننا نعرف أن لكل أفق انقطاع، وأن الرحيل يحدث، أردناه أم لم نرِد. أدرك، لكنني لم أقرر بعد أن أحتمل البعد والافتراقات، سأعرف حينما أفعل.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

رسالتين

عزيزتي العبيطة.. 
السنة الجاية زي دلوقتي هتكوني بتكتبي رسالة لنفسك عن السنة الـ18 ليكي في الحياة، هتكتبيها بأسلوب منمق جدًا، ومفعم بالنضج والحكمة ... But guess what?! انتي لسة عيلة، وده اللي عاجبني فيكي، خليكي زي ما انتي أو أصغر شوية، أقولك، انتي محتاجة تكوني أصغر كتير، ده مش عيب. مش هتعدي عليكي 10 سنين إلا وهتكوني مش عارفاكي. فيعني خدي وقتك، واعرفي. ومتزعليش. اللي جاي يزعل أكتر :)
...


عزيزتي العبيطة (قصدي اللي لسة عبيطة).. 
ازيك؟ (قصدي ازيي؟) أقولك! مش مهتمة أعرف. ممكن أتوقع إنك بقيتي أصغر على صعيد ما، أكثر عجزًا على صعد أخرى متعددة. بس عادي يعني. أنا وانتي بطلنا نندهش من زمان، وعلى الأرجح انتي كمان مش فاكرة امتى ابتدا الزمان. إنما صحيح، قوليلي ... انتي لسة بتخافي؟ لسة بتبعدي؟

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

زخة

عابرو شارعِ الورد
تحملُ يمينُ كلٍّ منهم مظلةً من تفاح
والموتُ مظلتهم الكبرى
لا ينظرون إلى فوق
بل ...
إلى خمشاتِ الحلمِ للأرصفة
الحقيقةِ للخيال
يصيخونَ السمعَ لتداخلِ صورِهم
ولا يرى واحدُهم صدى نفسِه

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

أمل

يرسخُ لديَّ اعتقاد بأن أيَّ كتابة عن أحدٍ ما سيئة ما دمت تستطيع أن تكتب إليه، وأيَّ كتابة إلى أحدٍ ما سيئة ما دمت تستطيع أن تشافهه، وهكذا إن كنت تستطيع أن تصمت بصحبته، أو أن تذهب بعيدًا قريبًا إلى حدِّ أن تنخرط معه في اللا فعل بنشاط وافر.

لا أدري إذا ما كنت سأستريح لوجودها في المكان، لنبرة صوتها، انفعالاتها العفوية، وتطلعاتها، التغير الذي سيحدثه دخولها في مجالي. لا أدري إذا ما كنت سأبسم مليًّا لكلماتها وهي تنسرب بهدوء من بين ... أعني من أعماقها الشاعرة. أصلًا، ما احتمالات أن تقابل الصدق يتهادى على قدمين، ويفيض؟

لم أخبركِ بأنني شغوفة باختبار الاحتمالات يا أمل. ليس وكأني شاطرة في حسابها رياضيًّا، ولكني أعرف متى تتسع عينيَّ لمرأى عنصرٍ بدا قبلًا غير محتمل. مثلًا، الصدفات التي جمعتها واحدةً واحدةً بينما تنغمر ساقيَّ في الماء على شاطئ الجزيرة، لم تكن إحداها لتكاد تستقر في راحة يدي حتى أكون قد خمَّنت قرينها أو قرينتها من الأرواح التي أعرف، وإن لم أعرف أسماء أصحابها. عرفتُ فيها أحمد وريهام وحاتم وربما إيثار، وخفيت عني بقية الوجوه. في آخر النهار كنت أحملهم جميعًا، وودت أن أريه المجموعة كاملة قبل غيره وأطلب منه تخمين نفسه، لأرى إن كانت صورته فيه ستوافق صورته فيّ. هل ستفعل؟ ربما.

ربما تظلين تكتبين لي، تحكين حكاياتك العذبة الملهمة، الشفافة الشافية، المضيئة رغم عتمة الوسط الذي تنتقل فيه، الصباحية الصابحة مهما داخلني الليل أو داخلكِ، أو اختلف التقويم. هو حكيٌ كقصائدك، نقرٌ كنقر طائرٍ خفيفٍ لسطح ماءٍ صافٍ، كأغاني الأمهات يهززن المهد برفقٍ في ليلةٍ شتائية، كابتداء المطر، وتوقف فجائي عن الكلام بعد استرسال، وانطلاق بعد أسر، وكشعري يطيُّره الهواء.

سألتِني كيف أشعر، سألتِني أن أكتب كيف أشعر، لكني لا أميُّز بعد. أخبر القريبين بأني لا أراني، لم أرني حين خفضتُ وزني أول مرة، وكنتُ أعجب من انعكاسي على أبواب قطار الأنفاق: من هذه الأنحف؟ بالمثل لا أرى البنت داكنة الشعر التي لا تفتقد ملمس القِماش على رأسها، رأسها ما يزال مغطًى، لكنهم لا يرون الغطاء، لا يرون إلا الخصلات المتطايرة بعشوائية تتناغم مع عشوائية ريح الشتاء في الخارج، ومزاجيتي في الداخل. كلُّ شيء يحدث في الداخل يا أمل، أو لا يحدث، أما الخارج وأناسيه، أفكارهم المسبقة، أحكامهم، استغراباتهم، قدرتهم العالية على عدم التفهم، كلُّ ذلك لا يهمني، مهما حاولت أن أهتم.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

في انتظار الرِّدة

"أدمعتِ عيني" ...
"لماذا فعلتِ ما فعلتِ؟" ...
"لم تكوني تعيسة جدًّا ولن تكوني سعيدة الآن" ...
"أنتِ عيب" ...
"تزعزعتِ؟" ...
"أنا أعرفكِ، رُغم التنكر الذي" ...
"لم أكن أعرفِ أنكِ صارخة إلى حدِّ" ...
"حرام يا" ...

هذا ما قالوه وقلنه، هل حسبتِه لن يقال؟ أما أنا فأقولُ إني حزين. تعرفين كما أعرف أننا صنوان، لم نكن قطُّ كأخٍ وأختٍ ولا كصديقين، نحن ألصق، كنا. لكني -وبينما أراكِ تصغرين- لا أستطيع أن أوبِّخكِ كثيرًا، فأنتِ كبيرة الآن، لطالما كنتِ أكبر.

لا، لا تحاولي. أسبابكِ تافهة، ورؤاكِ سطحية للغاية. الواحد لا يهدم جدارًا من أربع لأن صدره أضيق من النافذة، ولا يكسر المفتاح لأن الباب مفتوح أقلَّ قليلًا مما يلزم للمرور.

لا أفهم شيئًا مما تقولين، أعني: لم أعد أفهم. وأنتِ لا تفعلين شيئًا لتغيري ذلك. أسألك: ألن تتراجعي؟ تجيبين لا مبالية: ستكون تلك رِدة.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

ومش راضية الطيارة تطير

صباح الخير، أنا اسمي رضوى. أول مرة أكون هنا، النوع ده من الأول مرة اللي بيكون شبه المرة اللي متتعدش. تكونش دي الألفة غير المتوقعة؟ لأ، أنا متوقعة، لكن الألفة لأ، بتزول، وكل ما بيتصاعد شغفي بمكان أو بشيء ما، بيتطفي شوية شوية لغاية ما يرجع بيا لزاوية الغربة تاني. عارفة إني مش أول مرة أكون هنا، لكني ضيعت الوقت، والقلب.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

وبعد

راحَ الصغارُ وضِحكاتُ النسيم
وجاءتْ الأمُّ
دائمًا ما تجيءُ الأمُّ
من حيثُ يصبُّ النهرُ في المحيط
المحيطُ في عينِ الشمس
الفانيةُ في الأبدية
والأبديةُ أمٌّ تفقِدُ صغارَها لتستعيدَهم
الأمُّ استعاداتٌ تتكرر
وابتساماتٌ ظِليَّة
شفقٌ
إشفاقٌ
اشتقاقٌ
شَقٌ كـ التئامٍ
كأصلٍ وعودة
يعودُ الأولادُ الصغارُ
ولا يكونُ بعدَ العودةِ شيء

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة