2014-08-04

الوصية

"هذه انتكاسة هرمونية عنيفة؛ إن كان بوسعك التخيل."

أتخيل أنكِ لا بد تختبرين مثل تلك الانتكاسة، لتصوغي مثل هذه العبارة. بعض العبارات خُلقت لتكون حقيقية ودالَّة، حتی وإن لم تكن صادقة تمام الصدق.

الصدق مأزقي التأثير علی ما تكتبينه إن كنتِ ممن أصابتهن نعمة الكتابة. وغير بعيد ما زالت تشغلني واحدة من تلك القصص التي تصلح لاستزراع الدروس واستخراجها؛ من أجل الفائدة (إذكاء روح الصدق).

إصراري علی استذكار القصة وقصها علی النحو الذي سترينه بعد قليل له دوافعه. منها: معظم ما أعرفه أحتفظ به في ذاكرتي لوقت قصير، يزول بعده ويبقی منه أثر غير مرئي، ولأسباب يمكن فهمها بسهولة، فأن أكتب شيئًا فأنا أطيل أمده، دعيكِ من حقيقة أني أقتله كذلك، فتلك نقرة أخری. الدافع الآخر، هو أنني وجدتُ أخيرًا مدخلًا مناسبًا ليكون مقدمة لوصيتي. يمكنكِ أيضًا أن تعُدِّي الرغبة في إفراغ رأسي من بعض الطنين الذي يسكنها، دافعًا آخر أساسيًّا.

بدر شاكر السياب، الشاعر الذي يظهر لنا في صوره رجلًا هزيلًا نحيلًا، من اليسير أن تتعاطفي معه حين ينوح ويتأوه شعرًا، رجل امتلك من الجرأة قدرًا مكنه من تسمية ديوانه الأخير باسم مقسوم نصفين؛ نصف لحبيبته ونصف لزوجته. (أسجل تحفظًا علی استخدام صفة الجريء هنا، إذ أعتقد أن المسألة لا علاقة لها بالجرأة، لكن هذا ليس موضوعي الآن.)

"شناشيل ابنة الجلبي وإقبال". نصيب الحبيبة من الاسم أكبر كما ترين. الشناشيل -كما أفهم- نوع من الشرفات العراقية القديمة، ربما تشبه المشربيات التي نراها في بيوت القاهرة الفاطمية، وكانت ابنة الجلبي فتاة في سن المراهقة، جميلة، يتطلع إلی شناشيلها كل يوم بدر المراهق، ينتظر لفتة منها تروي ظمأه وتنتقل بقصيدته من مرحلة "حني عليَّ" إلی "حننتِ؟ مع السلامة" لكن البنت لم تحن، والولد كبر، ونوّع الحبيبات، وتزوج "إقبال"، وشكا إليها تلك الحبيبات، في ديوان يضم الحنين إلی العيون المختبئة خلف الشناشيل، ويضم "أم الأولاد" السيدة الصابرة، جنبًا إلى جنب، وبينهما مشاعر وحكايات لا يخجل الشاعر من بسطها بدون تعقيد أو تقعيد.

حتی قاعدة أن أم العيال هي وحدها المحبة الوفية وأن "كل من أحب قبلها لم يحببنه"؛ حتی تلك القاعدة خرقها، وانقلب علی الست في إحدی القصائد يذمها ويتهمها بأنها سبب مرضه وعنائه. هذه القصيدة تحديدًا يُقال إنها حُذفت من طبعة الديوان الأولی (حفظًا لماء وجه الزوج اللطيف المحب)، لكن من تولوا إصدار طبعات لاحقة أعادوها (حفظًا لماء وجه الشاعر).

لا بد أن تتساءلي: هل كان بدر ليرضی عن عودة تلك الأبيات المسيئة، والجارحة للسيدة، وهل يسامح الفاعلين؟ رأيي: كان ليشكرهم. بدر كان يكتب الشعر لأنه يحبه، لأن الشعر يحب بدرًا ويحكيه. كان بدر يسجل ذاته شعرًا يشبهه، حتی إنكِ لا تحتاجين للبحث عن مصادر تثرثر كثيرًا حول سيرته الذاتية وخيباته العاطفية، ولمَ الثرثرة وقد كتب كل شيء بيده لا بيد آخرين!

طيب. أين الدرس؟ أين الوصية؟

أنا؛ لبنی، ليس لديَّ أحبة كثيرون كحبيبات السياب وإقباله، ولا شعرًا كشعره، لكنني لن يُحجب شيء مني. كل ما دونته في ورق أو مدونات إلكترونية أو صناديق بريدية أو غيرها، أريد له أن يُتاح كله، ما أخفيه وما أظهره، ما أحفظه وما يحفظه الغير، وما ضاع. انتهت الوصية.

3 أغسطس 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق