2014-08-21

تنهيدة.

تنهيدة.

لدي عقدتان بين عقد أخری كثيرة: الموت والأكبر سنًّا.

أنا أكره الموت وكل صنوف الغياب والتعفن التي تشبهه، والفقد، أن أفقد أو أُفقَد، وألا يفتقدني أحد.

أفكر: لستُ مغرمة كثيرًا بهذا الجسد، لكنني لا أحتمل فكرة أن يكون يومًا مصدرًا للبشاعة الخالصة والرائحة التي لا تطاق. لا أحتمل أن يتلمسني أحبائي باهتمام لأول مرة ويجدوني خاوية باردة. الذين أحبهم، أفحصهم باستمرار، وأعلم أني سأضيع عقلي إن ضيعتهم. كل ما أقوله لنفسي عن أن الفتی ليس لي وعن أنه لا يهتم وأني لا أهتم به إلی هذا الحد، كل ذلك يصير لا شيء، يتلاشی في لحظات ضعفي وموتاتي المصغرة، ويخيل إلي أني سأطلبه في الساعة الأخيرة لأراه وأسمعه لمرة أخيرة حقيقية، وسيلبي لأنه سيضمن أنه لن تكون ثمة مرة أخری، لن يلزم نفسه بشيء لأجلي، لن يتورط.

الحياة مرهقة، وأنا قليلة الحيلة، محدودة، صغيرة ووحيدة، لكنني لا أريد المغادرة، لا أستطيع سداد كلفتها، ولم أعتد الاقتراض أو استجداء أحد ليسد عني.

أضم حقيبتي علی الطريق السريع كل يوم، وأفكر أن أشيائي الدقيقة التي تحتويها؛ الورق، المفكرة المسجلة في ذاكرة هاتفي، البطاقات التعريفية والمصرفية، الصور، المفاتيح، مرطب الشفاه، تذاكر السينما والمسرح وحافلات النقل العام، مشابك الشعر، الأقلام التي أفلتت من أيدي أختيّ اللتين طالما تآمرتا علی أقلامي، الصدفات الباقيات من رحلة الغردقة، المخلفات التي أحتفظ بها ريثما أصل إلی البيت عوض أن أرميها في الشارع وكثيرًا ما أنسی التخلص من معظمها، الفلوس ... كل تلك الأشياء لن تعني أي شيء لأي أحد إن تصادمت مركبتان علی الطريق وتمزقتُ بينهما، لن يصرخ المسعفون ورجال الدفاع المدني: الصدفااات ... هل أنقذتم الصدفات؟

لا أستطيع تخيل النهاية، بقدر ما أستطيع تخيلها. لقد جرَّبت. آثار أبي وأمي تشهد. ثم تأتي خالة أو عمة لتزجرني: لا تكوني كذا لأن أباك وأمك لم يكونا كذلك. أنا وحدي التي تعرف كيف كانا، وكيف أنهما لم يعودا موجودين، ولولا أني موجودة لما صدقتُ أنهما كانا موجودين يومًا.

لا أحسبني انتهيت، لكنني متعبة لأكمل. ربما في رسالة أخری. كوني بخير لأجلك. واكتبي لي متی أردتِ، سأقرأ ما دمتُ هنا.

29 مايو 2014
* أرسلتها إلى أمل إدريس.

هناك 3 تعليقات:

  1. مشكلة الذكريات أن لحظاتها ماتت .. ونحارب من أجل لحظة عشناها فيها ، نحاول أن نثبت لأنفسنا أننا لن نُنسى كما لم نَنسى.

    لا توجد مشكلة في النسيان أصلا، كل الذي فات وكل الذي سيأتي ليس له معنى إن لم نبعثر كل تلك الذكريات على الأشياء ونتركها ونمضي، فإذا لاحت لنا من بعيد .. تعترينا الابتسامة، الرجفة أو الدمعة .

    حلاوة الذكريات في نسيانها ثم معاودة زيارتها بالصدفة.

    ردحذف
  2. عندما ترتاحين ، كل أذان صاغية للمتابعة :)
    كوني بخير

    ردحذف
  3. (كل تلك الأشياء لن تعني أي شيء لأي أحد إن تصادمت مركبتان علی الطريق وتمزقتُ بينهما، لن يصرخ المسعفون ورجال الدفاع المدني: الصدفااات ... هل أنقذتم الصدفات؟)

    تفاصيلنا وذكرياتنا الجميلة الصغيرة والتي لا أحد يكترث لها غيرنا.

    ردحذف