2014-08-22

إلى الحسيني

لعلك تتفاجأ حين تعرف كم هو قليل عدد الروايات التي أنهيت قراءتها فعليًّا في حياتي. آخرها مسودة الرواية الجديدة لبركة ساكن؛ ذلك الرائع "الرجل الخراب"، كنت قد شرعت في قراءتها قبل نحو شهر، وأنهيتها بالأمس فقط وأنا أقول: "هو كذلك، هو خرِب جدًّا، مثير للشفقة، حقيقي، مؤلم في عالم لم يمنحه غير الألم، كلا، الخراب ليس هو، بل ما حوله، بل الأغشية الرقيقة حينًا والخرسانية حينًا التي أحاطت به، احتوته، سيطرت على حركاته، وحالت بينه وبين الحصول على علاقة صحية مع ما ومن حوله".

بركة يجيد ذلك فعلًا، ويطبق عمليًّا فكرته عن الخَلق القصصي والروائي الجيد، رأيته مرة يتحدث عنا وعن كم نحن استثنائيون ومميزون، وأن كل إنسان يملك ولا شك أسطورته وحكايته الخاصة المبهرة، لكن، ما كل الحكايات الذاتية تصلح لصنع الأدب العظيم، ولربما فقدت بريقها إن هي وُضعت كما هي على الورق، لكن وحده الروائي الشاطر من يستطيع الحفاظ على ذلك البريق وتغذيته من روحه وخياله وتشكيله بأدواته وأساليبه المميزة.

غير بعيد، استمعت قبل أيام إلى رأي آخر حول الذاتية، قال المحاضر إن الأدب الذي يسير على منوال "أنا وأنا، طفولتي، ذكرياتي البائسة، أنا، أنا، والكثير من الأنا" ... يعتقد خالد إسماعيل أنه أدب رديء ومُساء توجيهه، بينما تعني الذاتية الحقة والخلاقة من وجهة نظره: "أنا والمجتمع، أنا وأفكاري وتفاعلاتي مع المجتمع والمحيط بمختلف أبعاده".

أحاول ألا أشغل نفسي كثيرًا بالتفكير في ما يجب وما لا يجب عندما يتعلق الأمر بكتابة الرسائل، لدي هواجسي بشأنها، لكن آخر ما أفكر فيه هو وضعها في ميزان الإبداع أو موازين الذاتية والموضوعية. في رأيي، الرسائل أوسع أفقًا وأكثر استيعابًا لصنوف الكتابة ودرجاتها وصورها المحتملة.

هنا، أظنني بحاجة إلى تغيير الموضوع (مسموح بهذا في الرسائل في أي وقت) خاصة وأني لا أعتقد أن حديث الرسائل الطويل هذا والمرشح لأن يطول أكثر، لا أعتقد أنه ما أردتُ أن أحدثك عنه في المقام الأول، ظننت أنه سيشكل مدخلًا إلى حديث آخر رئيس. أحاول تذكره الآن.

تذكرت. كنتَ تقول شيئًا عن الناجين من الحملة العنيفة التي شننتُها على أصدقائي الافتراضيين على فيسبوك، أجبتكَ أنهم؛ الناجين محظوظون. لكن الأمر ليس كذلك. لا أدري ما الذي يرسم دوائر اهتمامي ويحدد دوائر الأمان الخاصة بي بالضبط. بعض من حذفتهم أكن لهم مشاعر طيبة بالفعل، بعضهم لم يشكلوا يومًا مصدرًا للإزعاج، بعضهم أنزعج لمجرد رؤية أسمائهم وإن لم يفعلوا شيئًا، بعضهم لا أحبهم فحسب، بعضهم لا أعرفهم، بعضهم أعرف أنهم يخلقون بداخلي أفكارًا وأحاسيس سلبية، بعضهم عشوائيون، بعضهم كانوا لدي "متشالين لوقت عوزة" وكنت لديهم كذلك، وهذا سبب حقير للاحتفاظ بأصدقاء ليسوا بأصدقاء.

قد يجرني الحديث إلى فكرة الأصدقاء أساسًا، لكن ليس هذا مقامها، ومشكلتي المزمنة بخصوص عدم القدرة أو عدم الرغبة في الحصول على أصدقاء قصيري أو طويلي الأجل، فضلًا عن علاقاتي الاجتماعية شبه المنعدمة بشكل عام، مشكلة كهذه مكان مناقشتها عند المختصين، لا في رسالة إلى صديق افتراضي هو أحد الناجين من المذبحة الأخيرة، وربما لا ينجو من أخرى تالية.

ما أريد قوله: أنا أهتم للآخرين حقًا، ولا أحد يهمني حقًّا.

يعجبني الاسم المستعار الذي اخترتُه لحسابي المحدود، لكن، وعلى الرغم من أني هناك أجرأ وأقل لطفًا، أقول إني حزينة عندما أحزن، غاضبة حينما أغضب، أحب أحبائي وأكرههم في الوقت نفسه، لا أراقب عباراتي ولا أهذبها دون داعٍ، إلا أني لا أستطيع أن أكون اثنتين في واحدة، وصنع ثالثة هي مزيج من الاثنتين معًا سيستغرق وقتًا ويتطلب تغيير كثير من العادات القديمة.

تجربة الاسم المستعار غيرت شيئًا؛ أشياء. مثلًا، استيقظتُ صباح يومٍ عازمة على نشر واحد من نصوصي الأكثر فضحًا، لكني لا أراه كذلك. الكتابة لا تفضح يا حسيني. الكتابة تعيد سرد الحقائق، تحاول تبسيطها، تركيبها، فهمها، اكتشافها أو اختراعها، تسير بها في مسارات جديدة ... أيًّا كان، المؤكد ألَّا علاقة لها بالفضائح.

أقول لأختى: انظري، فلان يكتب، وفلانة تكتب، يكتبون كل شيء ولا شيء، تقول: ليس لديهم ما يخسرونه، لكنك ستلحقين الأذى بأولئك الذين تهتمين لأمرهم. لا يقنعني منطقها تمامًا، لكني أظل محاصرة في منطقةٍ ما بينه وبين منطقي، وأنتظر لحظة إنفاذ الوصية، وأرجو ألَّا يطول انتظاري وألَّا يضيع سُدى.

* رد الحسيني: رسالة طويلة إلى لبنى

هناك تعليقان (2):

  1. تدوينة جميلة مثل قلمك. دمتِ مبدعة.

    ردحذف
  2. مُربك و صادق !
    كوني يا لبنى !

    ردحذف