2014-09-14

هدوء

هادئًا أو متصنع الهدوء في موقعه بالزاوية -لا أقول البعيد بل المراقب- كان.

عزيزي صاحب الوشاح الأحمر، كنت لتستدل عليَّ من وشاحي الذي لوَّن انعكاسُه وجهي الخالي من مساحيق التجميل، تقول أختي: ما فعلتِ بوجهك؟ أقول: فعله الخجل. الهدوء فعلها أيضًا يا ذا الوشاح، ذلك الذي كان ليدلك علی الفتی بسمته الهادئ الذي يجعله يبدو قديمًا كأزل، بقميصه المقلم بعناصر غابة نهارية، بملامح وجهه المحايدة، وكأن كل مخلوقات الغابة ليس بوسع أحدها أن يستفز انفعاله، وأنت تعلم أنه منفعل.

لاحظ أنك تلعب دورًا من أدوار الإله هنا يا عزيزي، تتوافد عليكَ الرسائل بلا توقف، تترسَّل في مناجاتكَ بفنون المناجاة، تبوح لكَ بما يطيب لها تقدير أنكَ لا بدَّ تعرفه؛ أنت العليم كما تعلم.

تعلم أن كل شيء كان محسوبًا، وأن ما حسبت حسابه حصل. أقول لأختي في الليلة السابقة: ثمانون في المئة لا أقل. وفي اليوم التالي، أهدأ وكأنها مجرد خمسين، وفي الموعد أهدأ جدًّا وكأنها سالب واحد، ثم … مرحبًا يا أنا يا ذات الوشاح الأحمر، الفتی البريُّ هنا، ترينه بنسبة مئة في المئة. كفان تهتزان، تمتمات …
- سعيد برؤيتك، سأمضي.
- أجل.
قلتِ لي ماذا كان احتمال استبقائك إياه؟ جيد أنكِ ما زلتِ هادئة.

عزيزي صاحب الوشاح الأحمر، أنا بخير، ماذا عنك؟ ربما أنتَ مثلي، تتذرع بجفاف حلقكَ معللًا إحجامك عن النطق بما تريد النطق به. ما زال حلقي جافًّا وكلمتان غارقتان بذاتي غير الواعية: هل نلتقي؟

وتأتي الواعية لتضيف اللمسة الزخرفية: عزيزي الفتی -حطي النعت بالحلم علی جنب- تقول لنفسها، وإليه:
أردتُ أن أستشيركَ في أمر هام … ااام، لي صديقة حكايتها أنها … لا انسَ صديقتي، ما أريد قوله هو … ااام … كيف حالك؟ أنت حالٌّ فيَّ بطريقة أو بأخری.
كلَّا، الواعية لم تكن لتستخدم تعبيرًا بكشف ومجاوزة تعبير "الحلول". في الحقيقة، الواعية أعياها مداولة الحلول، وهي للحق لا تجد أيًّا من هذا منطقيًّا.

هل تعلم أني أعد كتابًا له؟ كنت أرجِّي الانتهاء منه وطبعه ولفه بالعطر قبل ليلة أمس، أرجِّي المزيد من الهدوء لأهديه إياه عوضًا عن كلامٍ لم أقله، ولن.

اليوم أجدني هادئة أيضًا، مفتوحة الرئتين علی بهجة لا أعرف مصدرها، مسبباتها واهية، ليست مصدريَّة ولا صخبويَّة، لكنها تجعل عضلاتي الأكثر التصاقًا بهيكلي تبتسم. هذا يفسر انقباضات معدتي غير المؤلمة، كجوعٍ خفيف، كاحتواء زمرةٍ من فراشاتٍ جائعة، لأجنحتها الرقيقة رفيفٌ واهن.

مرآتي تقرأ بنتًا أجمل حين أحبُّ يا أحمر، عيناي تمحوان خطوطهما وتتحدَّدان من جديدٍ علی هيئة حمامتين محلقتين في محجريهما، جلدي يصبح أكثر نعومة ويشف، تحلو شفتاي، أنحف، يرِق خصري وصوتي، وأصبح أقلَّ تشوَّقًا لإثارة مواطن لذتي بأصابعي أو بخيالي. يعني.. ما اللذة؟ ما مكافئها؟ ما يعدل فكرة الحب؟

تكبرني بكم؟ عشر سنين؟ ألفًا وعشرين؟ ألم تتعلم في سنواتك الكثيرة كيف تقبض علی تعريفٍ للأشياء؟ لو عشتُ ما عشتَ لأمكنني تهجئة الحب، بلا معلِّم، لما التبست عليَّ حلاوة الفتی بحلاوة الفتی، لحدَّدتُ لون الفستان وقصَّتَه، وفعله في جسدي وفعلي في مُخملِه، وحظَّ الليلة التي سأرتديه فيها من الفرح.

أعرف أن فرحًا عظيمًا سيحدث يا ذا الوشاح الأحمر. دع لي دور الإله العليم هذه المرة، وثِقْ.

14 أبريل 2014

هناك تعليق واحد:

  1. وحظَّ الليلة التي سأرتديه فيها من الفرح.
    :)

    ردحذف