2016-05-15

عادات النوم الجديدة


كبرت كفاية يا أبي لأدرك أن الأحلام - جيدة أم سيئة - لا تعني شيئًا.

"عادات النوم الجديدة" عنوان يوحي بأن كل هذه الإرهاصات الجديدة خاضعة لإرادتي، بقدر ما.

في ظل العادات الجديدة، أصبح من الصعب أن أغفو وظهري ممد على السرير، وكذلك أي من شقيَّ لا يصلح. ماذا إذن؟ لا، النوم منكفئة يعوق التنفس ويربك أعضائي المرتبكة أصلًا.

في الحقيقة، توصلت إلى وضع مريح، من لوازمه أن آخذ موقعي في البقعة الغائرة في سريري، التي يبدو أن ثقل الأيام الفائتة هو ما صنعها، لكنها أصبحت تناسبني تمامًا، ألقي فيها بجزء من كل من ظهري وبطني وشقي الأيسر، في الوقت نفسه، وأحيط الباقي مني بذراعي وباللحاف الثقيل الذي أرفض التخلي عنه مهما اشتد الحر.

على الأقل هذا ما أدركه من طبيعة الوضع الجديد، كما أدرك تقلباتي المستمرة التي لا تسمح له بالاستمرار طويلًا.

كم هذا ممل ... حتى أنا لن أحب أن أعيد قراءة هذه التفاصيل التي لا تهم أحدًا، ولا تلعب دورًا دراميًّا جوهريًّا.

الجزء الدرامي في الموضوع يذكرني في جانب منه بأبي.

حاولت أمس أن ألخص الأمر بصورة مخلة لصديقي محمد، قائلة: لا أدري. حوالي مئة في المئة من زمن نومي يتحول إلى أحلام. واقع موازٍ كامل. أتكلم فيه بصوت مسموع، لشدة تداخل الواقعين، رغم اختلافهما.

أبي أيضًا، كثيرًا ما كان يتكلم أثناء النوم، كلامًا غير مفهوم في معظم الأحيان، لكنه يكون في أحيان أخرى مفهومًا وواضحًا وذا معنى.

أما كلامي فمن النوع الثاني، مع فارق بسيط، فأنا أستطيع تذكر معظم كلامي والأحلام أو الكوابيس المصاحبة له، بينما كان أبي في الغالب لا يعرف شيئًا عن كلامه إلا ما نخبره به بعد استيقاظه. في الواقع، كان يطلب منا أن نبذل جهدًا أكبر في حفظ ما يقول أثناء نومه، خاصة إذا بدا لنا حكيمًا إلى حد معقول.

كنت أستمتع بالأمر في البدء، ثم أصبح يرهقني، ويثير استغراب أختي في السرير المجاور، وأحيانًا خوفها وتوجسها.

في الليلة الماضية على سبيل المثال، كان الواقع الموازي فظيعًا، يقارب في فظاعته فظاعة الوقت الذي مضى وأنا أحاول الخلود إلى النوم ولا أستطيع، أضرب رأسي وأبكي، ولا أكف عن تذكر حلم الليلة السابقة الطويل، ويؤلمني أنه: إذا كانت الأحلام انعكاسًا لرغباتنا وأمنياتنا، لماذا لا أتمنى أكثر من أن أكتب لمصطفى رسائل نصية جافة وتافهة، وأنتظر طويلًا حتى يرد علي، ويرد، لكنني لا أكتفي، وأتمنى لو بادأني بالرسالة التالية، أو سألني موعدًا أول جديدًا، كأي موعد عادي بين صديقين عاديين فوتا موعدهما السابق.

في الحلم كتب لي مصطفى أنه لا يحب القراءة، واستنتجت أنه حتى لو أحب القراءة، فلن يقرأ ما قد أكتبه عنه، وهذا يطمئنني في جانب منه، ويثير استيائي وتضايقي من نفسي.

أنا لا أريد أن أقع في فخ الكتابة عن ناس لا يقرؤون، من جديد، حتى لو كانوا مجرد أصدقاء. كما لا أريد أن أكون صديقة الـ typing / send / seen / typing again. أريد أن أرى من أهتم بهم ويروقني التحدث معهم، أريد أن أواجههم وجهًا لوجه، وإما احتفظنا بصداقتنا المزعومة، وإما وفرنا على أنفسنا عناء الـ typing / send والانتظار ... وانتهى الأمر.

الواقعان الفظيعان المتقاطعان، لم ينتهيا، حتى وأنا أصرخ في الله: أنهِ هذا الآن يا رب، يا رب، يا رب ... وما زال الفزع وصوتي يعلوان، حتى فتحت عيني على آخرهما في ظلام الغرفة، وانتفضت أختي تربت كفي: يا حبيبتي ... يا حبيبتي ...

أعلم أن الفظاعة لن تنتهي من تلقاء نفسها، وأن الله لن ينهيها، لكني تعبت يا أبي، وعادات النوم الجديدة - وأحلامي - لا تساعدني.

15 مايو 2016
*اللوحة للفنان محسن شعلان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق