2018-06-30

اذكرني، اذكرني، اذكرني

© وليد عبيد
حبيبي بائع القبعات،
تحية وافتقاد،

أعلم أني لم أرك ولم أرسل إليك منذ شهور، أعني: كيف الحال عندك في بوسطن؟

الحال عندي في القاهرة تصعب على الكافر، أو ربما هي حالي الصعبة. لدي الكثير لأحكي لك عنه، وليتني أعرف من أين أبدأ.

بلا تردد، أجبتُ بالنفي حين سألتني صديقتي عما إذا كنتُ قد وقعتُ في الحب حقًّا من قبل. أرجو ألّا يضايقك هذا، فكلانا يعلم أن ما بيننا لا علاقة له بالوقوع في الحب. كلانا يحب الآخر على طريقته، من طرف واحد، ولذا لا أنتظر منك أن تقول لي «وأنا أيضًا» كلما حدَّثتك (حدَّثتُ نفسي) بأني أحبك. هذا ناهيك عن أن الحب ليس مجرد كلمة.

أتكلم كثيرًا أثناء النوم، في الآونة الأخيرة. أكون واعية بدرجة ما، وأميز تمامًا ما أقوله، لكنني أنساه كله بمجرد أن تكتمل يقظتي. في حلم الليلة قبل الماضية، كنت أتكلم بإنجليزية طلقة، أما كلام الليلة الماضية، فلا أذكر بشأنه إلا شعوري بالاستياء لأن أحدًا لم يكن بجواري ليسمعه. هل تراني كنت أشكو؟

لا أعلم بالتحديد مما أشكو. أظنني جربت كل ما يجربه الناس ليكونوا بخير، وفشلت بجدارة. جربت كل شيء إلا الحب. ربما لأن الحب لا يُباع في محلات البقالة القريبة من المنزل. أو ربما لأني لست مستعدة بعد، أو لست مستحقة، أو لأن الحب بعيد، كمثل بعدك، أو أبعد.

هذه الإجازة هي الأطول منذ بدأت حياتي العملية. لطالما ظننت أن مدة أسبوعين أو ثلاثة في البيت، ستجعل مني امرأة أسعد، لكنني في يومي السابع عشر اليوم، أجدني أكثر خواءً وحزنًا وتألُّمًا، وأقلّ رغبة في الحياة.

كان غريبًا أن أشعر بافتقادي لأمي في ذكرى رحيلها السابعة عشرة. كنت أظن أنني لم أعد أفتقدها. لم أظن أيضًا أنني سأظل أفتقد صديقي الذي فقدته. نهى تقول لي إن من نفتقدهم يفتقدوننا ولا بد، وإنني إن استيقظت يومًا ووجدت أنني لم أعد أفكر فيه، فهذا يعني أنه هو أيضًا لا يفكر فيّ. لا أصدق نهى تمامًا، لكن جزءًا مني يريد تصديقها. أعني، لنكن واقعيين: من أنا بالنسبة له ليفتقدني؟ هو مشغول بفقد أكبر وأكثر مرارة، وأنا لم أكن إلا حدثًا عابرًا في حياته.

الأمور أكثر تعقيدًا مما تتصور يا حبيبي. أنا لا أريد استعادة صديقي، ولا أستطيع المضي قدمًا. كأن زلزالًا قد ضرب كل الطرق المحتملة للمضي قدمًا، وضرب الأرض التي أقف عليها نفسها. إن بقيت مكاني سأهلك، وإن مضيت بأي اتجاه سأهلك.

ومن ناحية أخرى، فهذا العوز الذي أشعر به، ليس وليدًا لافتقادي له بشخصه، وإنما هو افتقادي لنفسي، لقدرتي على الاستمتاع بالحياة، ولقدرتي على الإنتاج وصنع أي شيء ذي بال. 

أنا حزينة. ماذا عنك يا حبيبي؟ طمئني عليك يا بائع القبعات، وتذكّرني.

2018-06-27

ولو جيت ولقيتها؟

رضوى وقعت في النوم فجأة. بفكر إني مترددة: أفضل ألعب دور الصاحب الخفيف اللي مش موجود على طول لكن موجود على طول، اللي هو من أحلى عشر حاجات في الدنيا، ولّا أبقى صاحب ملاصق وموجود تمامًا؟

الدوشة ابتدت تبقى مألوفة ومؤنسة، وابتديت ألاقي وصف لايق جدًّا على المرحلة: أنا مش لاقية نفسي. لأ، مش السياق المعتاد للمش لاقية نفسي، أنا قاصداها حرفيًّا: "أنا مش لاقياها، والله ما لاقيها". ده مخوفني؟ مش أوي، لأ، مش حاسة بحاجة.

عيطت من شوية لما المشهد فكرني بذكرى من أعجب ذكرياتي. حسيت إني بائسة أوي، لدرجة إنه يكون عندي ذكرى زي دي، كنت موجودة فيها تمامًا، ومش موجودة فيها تمامًا. وبعدين قلت لنفسي: بس وجود الذكرى دي من معانيه إن المستقبل مش بالضرورة يكون فاضي زي ما انتي متخيلة.

إيه الأبلغ: مش لاقية نفسي؟ ولّا مفيش فايدة؟ آخر مرة عيطت قبل المرة الأخيرة، كنت في الشارع، كنت أول مرة من فترة طويلة أنزل الشارع لوحدي، توازني اختل، حاولت أوزن نفسي للحظة، وفي اللحظة اللي بعدها قررت إني لازم أسيب نفسي أقع. وقعت. مش عارفة، يا ترى محدش شافني وأنا بقع، ولّا محدش من اللي شافوني فكر يمد لي إيده؟ محدش سمعني وأنا بئن، ولّا محدش اهتم يرد عليّ؟ محدش شافني وأنا بترعش وبعيط وببص لكف إيدي المكشوط بتألم وجزع؟

يا لهوي على الدراما!

بس أنا فعلًا مش لاقية نفسي، وبسلّم نفسي أكتر وأكتر للدوشة، وللنوم، وللتقليب الزهقان في الكام أبليكيشن اللي عندي، ولأمنية إن المشاكل الراهنة كلها تتحل، حتى لو ده معناه إن فيه مشاكل جديدة هتحل محلها.

أنا بحب نهى، وبحب أتكلم عن نهى، وبحب دعمها ليّ وتصديقها فيّ، حتى وأنا مش مصدقة في نفسي، و"مش لاقياها". وبحب طفولة رضوى، وبحب جمالها اللي هي مش شايفاه، وبخاف عليها، رغم إني بحسها محمية، زيي، وزي بيتي، محمي دايمًا، حتى لو إيه بيهدده.

عايزة أعرّف رضوى بأسامة يومًا ما، أو يمكن أضمهم لمجموعة كتابة، تكون فيها داليا، مش عارفة اشمعنى داليا، ونرمين وسارا وحسني، وناس تانية معرفهمش بس بيعرفوا يفاجئوني.

أنا مش لاقياني، ولّا حاسة بغربة غريبة (زي اللي رضوى حاساها)؟ الاتنين يمكن.

أنا بقيت شاطرة في تضميد إيدي اللي أحمد قال إنها مش مستاهلة ضماد. بس غريب أوي الربط اللي عقلي عمله دلوقتي بين كلام أحمد عن إن أي جرح أقل من البتر مش مستاهل، وبين كلام هادي عن الشتايم اللي اتشتمها من أبوه، والوعيد اللي اتوعده بيه، لما ساب الدكاترة يبتروا له رجله. هو أنا إيه اللي قالقني بالظبط من الجرح السطحي جدًّا للغاية اللي في إيدي؟ مش قلقانة خالص!

بالعودة إلى "مفيش فايدة"، تفتكروا فيه إيه تاني ممكن أعمله عشان أي حاجة تتغير؟ أختار لحظة عشوائية وأغرق فيها تمامًا، ويبقى مش فارق كتير إن كنت لاقية نفسي ولّا مش لاقياها؟ أخرج برا الزمن، وأدخل جوا الدوشة المطلقة؟ أعرّف رضوى على نهى طيب؟ الأخيرة دي ممكنة.

2018-06-26

السقطة وأوجاع أخرى

© Frida  Castelli
يقول الطبيب:
سقطتِ هكذا إذن؟
من تلقاء نفسك؟

يقول السرير:
سأحاكي سقطتكِ الليل كله
ستُرفعين فوقي
وستُتركين لتسقطي فيكِ
مرةً تلو مرة
سيتكرر الخوف
سيتكرر فقدان السيطرة
على العقل والجسد

يقول الطبيب:
سيلتئم الجرح
كفي عن الارتعاش

يقول السرير:
أراكِ كففتِ عن الارتعاش
منذ أكثر من أسبوعين
هل ما زلتِ حية؟

يقول الطبيب:
البدناء لا يقلقون
لماذا تقلقين؟

يقول السرير:
أريحي عظامك الموجوعة
وصلّي كيلا يأتي الغد

يقول الوجع:
أولًا، اشعري بي

26 يونيو 2018

2018-06-21

مقدمة النسخة الخاصة من الحلم

غلاف النسخة المزيدة من كتابي الأول "عن/إلى الحلم لا يؤلم"، الذي يمكن تحميل نسخته الأولى من هنا.
إليكَ عامان من الشعور والفكَر، لم أكن فيها فكرةً واحدة بل تعددتُ وتعدد الحلم في نفسه، فعديده خيال، ومعظمه أو أقله حقيقة. 

كان حقيقيًّا التقائي الفتی من غير تخطيط ولا توقع، وكان حقيقيًّا توارده علی أحلامي الناعسة، حقيقيٌّ كذلك الفراغ وحقيقيٌّ الشغف بالفتی المالئ الفراغ وزيادة. الفتی حقيقي، وبعض الفتی -أو كله- في الحلم، وبعض الحلم -أو كله- مكتوب، وبعض الكتابة تماهٍ مفرط في الحالة واستجابة ”أدبية“ لما تمليه الحبكة وأسطورية الحكاية. 

هذا ما أری عليه الأمر اليوم، وتقديمي إياه -علی علاته وبكافة اضطراباته واختلاطاته إليك- هو شيء مما أوصلني إليه قصوري الذاتي؛ وصلت رغم قلة زادي وبطء تسارعي، لأقول لك: أنت الفتی الحلم يا أحمد. 

رفعت أصابعي عن اللوحة قبل النقطة في آخر السطر الأخير، لأظل شاخصة إلی اللا شيء للمرة اللا نهائية: ماذا؟! هل تسمعينك! هل تعين ما تقولين؟!

ثم أعود لأقول إن الوهم ليس كما يبدو عليه، أنا لستُ واهمةً إلی هذا الحد ولا أعير الوهم اهتمامًا إلی هذا الحد. الأكيد لديَّ أنكَ حقيقي، وأنكَ الأكثر لياقة لتكون فتی حلمٍ حقيقيًّا لا يعتري الحلم به ما يعتري أحلامي من مبالغات تصفها وتعمقها العبارة. 

أنت أحمدُ.. أحمدُ فكرةٍ جيدة؛ شخص يعجبني علی صعيد العقل والوجود، أراك، أزعم أني أراكَ فعلًا، ورؤيتي لك كشخصٍ مميز يمكنني -علی مستوی ما- فصلها عن فكرة الفتی الحلم؛ فكرتكَ أهمُّ من فكرته، وفكرته إخلالٌ في بعضها بقدركَ كواحدٍ علی نقصه أكمل من أن يكون حلم فتاةٍ ما، وإخلالٌ بصورتي الذاتية أمام نفسي كبنتٍ كبيرةٍ لا يليق بها أن تغرِق في الوهم وتستغل لأجل إذكائه بشرًا من لحم ودم، وكلما ظنَّتْ أن بوسعها التوقف وأنها قد توقفتْ بالفعل عاد الحلم وعادت. 

أكتب إليكَ هذه المرة لأنني أريد التوقف حقًّا. أريد أن أقولها بصوت عالٍ لأدرك كم هي جنونية، لتقول لي: أجل، أنتِ مجنونة، لأفيق، وليكون لي أن أعيد طلب صداقتك بخاطرٍ فيه من الاطمئنان والصفاء واللا جنون.

وبعيدًا عن الجنون، يمكنني أن ألخص السابق في: 

أنا لا أعرفكَ، حتی وإن ادعيتُ ذلك. 

عرفتكَ كشخصٍ من أشخاص رائعين من بعيد منذ وقت طويل بالنسبة لي. 

حدث شيءٌ شديد الفوضوية بداخلي حين التقينا في سعد زغلول 21 أبريل 2012، لا أحملكَ من المسؤولية عنه إلا بقدر مسؤوليتكَ عن كونكَ نفسك؛ أحمد. 

ما حدث لي لحظتها لم يحدث لي قط من قبل، أنا قليلة الانتباه عندما يتعلق الأمر بالغرباء، ولا يكفي أن يكونوا ممن يكتبون كتابة حلوة أو يفكرون بطريقة حلوة أو يبدون حلوين، لأضطرب لدخولهم محيطي. 

اللقاء تبعته أحلام حلمًا تلو حلم، ولأسباب ظرفية وفراغية وغير مفهومة وجدتني أكتب الأحلام واللقاءات العابرة، وأعيش ما أكتب. 

أزعم أني كتبت بصدق شديد، بدقة أحيانًا، وكنت أترك للكلمة زمامي لتقودني في أحيان أخری، وبقيت الكلمات مجرد كلمات، أهمَّتني أيامًا كثيرة، وتهت عنها أيامًا أخر، تهت كثيرًا وظللت أعود.

العام الماضي في 21 أبريل، وددتُ أن أجمعها جميعًا وأرسلها إليك، لكني جبنت، لم أكن مستعدة، ولم أجد في نفسي ذلك الدافع الذي يدفعني دفعًا فعليًّا للتحدث معك، ففعلتُ ما أفعله كل مرة؛ جعلتُ الكتاب إليكَ كتابًا لكل من هبَّ ودب، تمامًا كما فعلتُ مع تدويناتي المباشرة التي لا تحتمل التباس الوجهة، ومع رسائلي لكَ التي صيرتها إلی غرباء لأني لم أدرِ كيف أجعلها لا تصل إلا إليك. 

قصة غريبة وحزينة؟ لا، لقد كنتَ حلمًا جميلًا غير مؤلم، كنتَ ملهمي، ومنحتني نصوصًا أحبها وأحب أنكَ أحببت بعضها. وإنكَ لا تدرك كم يجعلني كل ذلك ممتنة؛ ممتنة حتی النهاية وحتی تحقق الأمنيات لك أن تجد حلمك؛ كل أحلامك. 

أنتَ حققت لي من السعادة الاستثنائية ما لا تتصور، فوجب عليَّ أن أشكرك، أنا شاكرة للغاية وحامدة يا أحمد. 

اعترافي المتأخر لم يتأخر كثيرًا، فتأمُّل مليٌّ لعامين مضيا يضعني بمواجهة أحداث وتحولات وجودية عديدة في حياتي الشخصية، مواجهة تجعلني علی وعي بأن الفتی الحلم لم يكن أكبر مشكلاتي، بل لم يكن مشكلة في أوقات كثيرة.

هل يزيد من تقديري لفكرة الفتی الحلم أنها قد عاشت ونجت برغم الأهوال حولها؟ ليس تمامًا، لا يعني بقاء شيء أنه الأفضل بالضرورة، لكن يسرني أنني ما زلت قادرة علی الحلم والنجاة، وإن تغير تلقِيَّ للحلم وتفسيري إياه، وإن صرتُ أنجو بغير طريق. 

المدخل ليس رومانسيًّا كما يبدو، أعني أنني لم أحبب الفتی الحلم كما تحب فتاة الحلم فتی الحلم، ولا فتنتُ به فتنتها به، بل إن ما يعنيه لي مختلف تمام الاختلاف عن الأشكال النمطية والمتوقعة لعلاقات التعلق، وربما الأقرب شبهًا إلی علاقتي به هي علاقتك بشاعر تفضِّله أو فنان يطربك. 

لا أتوقع شيئًا، وأرغب في ألا تتوقع أنت بدورك شيئًا، حزَبَني أن أخبركَ بسري، و توافَق أن يكون السر أنت. 

ما زال هذا الذي أفعله يبدو لي جنونيَّا حتی لحظة نقري هذه الكلمات، ولم أقرر بعد إذا ما كنت سأعطيكها أم سأكتفي بحفظها في مسوداتي، كلا الخيارين مثير للهلع، وأنت والفتی الحلم تخيفانني برغم سلامكما.

يلح علي أيضًا: هل تصدقين أن ما كتبتِه من الجمال بمكان ليزهو الفتی أو يفخر بكونه قد كُتب عنه أو لأجله؟ أنتِ لا تصدقين ذلك. 

عزيزي أحمد، عزيزي الفتی الحلم، أنا مضطرة إلی تصديقكما أو الكفر بكما، في الآتي، فليس لنا أن نغير ما كان، ربما نعيد قراءته فقط. 

الواقع لا يمنحني الفرصة لاختبار إيماني، الواقع شائه، حيث يخاف الواحد من نفسه قبل خوفه من الآخرين، وحيث المخاوف حقيقية أكثر منا، وحيث الإخفاقات والأذى مجرب أكثر من الخيال، وحيث البنات اللاتي كنتُ لأنجبهن يعرفن أكثر وينضجن أسرع ويتعرضن للأذى والحب، بينما أنا أختبئ في منطقة الحلم الآمنة، ويبلغ تهوري مبلغه عندما أكتب. 

لا أحاول أن أكون أكثر تهورًا، ولا يمكنني تصور كيف تفكر فيَّ وأنت تقرأ هذا الذي بين يديك، كما ولا أستطيع أن أقيِّم ما يحدث بعينٍ ثالثة، ولا أن أستعين بشقيق أو صديق، أنا أقفز قفزتي الحرة وحدي من ارتفاع لا يُقاس.

صديقتي التي تقيم في الجانب الآخر من العالم؛ أمل التي حدثتكَ عنها من قبل، أرسلت إليَّ قبل أيام تقترح أن نواصل الكتابة معًا أنا وهي، نرسل الرسائل إلى صاحب الوشاح الأحمر، الغريب العابر الذي رأتْه مرة يتناول إفطاره في المطعم مع أمه، شعره أشقر فيه بياض، عيناه خضراوان، وله ابتسامة آسرة، شاهدته وصاحبتها بينما كانتا تجلسان كأي مصريتين في عقدهما الرابع في بلد بارد ككندا، تستذكران وحدتهما وكل ما انقضى سالف أيامهما دون تحقيقه، وخطرتُ لها حينذاك، خطر لها أنني لو كنتُ هناك لأعجبني الوشاح الأحمر حول عنق الرجل الأعسر حبيب أمه، ولأعجبه شعري الأسود الفاحم وعينيَّ السمراوين، ولضممنا طاولتينا إحداهما للأخرى واسترسلنا. سيناريو لطيف و“اتهرس في أفلام كتير“، لكن كثيرين ما زالوا يحبون الأفلام المهروسة من هذا النوع، ربما لأنهم يعيشون من خلالها حيوات لن يعيشوها أبدًا، ولن يتحملوا كلفتها. 

المهم، الفصول التالية مرتبة زمنيًّا، ضامة كل ما كتبته عن وإلى الحلم الذي لا يؤلم، سواء ما شاركته من قبل أو أسررته. 

قراءة طيبة أتمناها لكما :)

أبريل 2014

2018-06-13

الغيرة

شعور الغيرة من المشاعر اللي بعترف بيها بأريحية لما بحس بيها، لكن فكرت دلوقتي إنه ممكن ساعات يكون وصف مش دقيق لإحساسي. مش غيرة إني أحس بعدم الارتياح لأن حد عنده حاجة مش عندي، في حين إني مش بتمنى زوال الحاجة دي من عنده، ولا بتمنى إنها تكون عندي. أنا بس حاسة بغربة. كل الناس بيعوزوا حاجات، وبيحصلوا عليها أو لأ، وأنا الغريبة مش بعوز أصلًا، وفي نفس الوقت مش مبسوطة بالولا حاجة اللي معايا. أنا مش غيرانة (حتى لو كنت كده بنسبة ما) لكني أكتر من الغيرة، وحيدة ومستوحشة وزعلانة.

قراية وش

دي ست بتعمل لنفسها كل حاجة، لدرجة إن محدش متخيل إنها محتاجة يتعمل لها أو عشانها حاجة. ويوم ما حد بيعمل لها بتبقى ف نص هدومها، مكسوفة ومرتبكة ومش حاسة إنه من حقها تقبل اللي بيتقدم لها. دي ست بتعمل لغيرها وبتقطع مسافات وبتجهز مفاجآت وبتبذل نفسها بحب ومن غير تفكير، ومحدش بيفكر يبذل عشانها أو يمشي ميل زيادة ناحيتها أو يهاديها، ويهاديها بمناسبة إيه؟ كل الناس عندهم مناسبات وهي لأ. هي مناسب جدا إنها تفضل زي ما هي، بتدي ومش بتاخد، بتشوف ومش بتتشاف، ومحدش بيفكر يقرا التعبير اللي على وشها.

2018-06-12

إيشوز؟ ما كلنا عندنا إيشوز!

مش أنا اللي دايمًا بقول إن مفيش حد أذاني قبل كده أبدا؟ اليومين دول مسيطرة عليّ (مش مسيطرة أوي يعني) ذكرى أذية من أعجب ما رأيت في حياتي. يمكن تكون مش عجيبة بالنسبة لناس تانيين، بس دي كانت خبرتي الوحيدة تقريبا مع قلة الأدب وتلقيح الكلام. كنت دايما بفكر إني مش في دماغ حد، ومش مستفزة لحد، للدرجة اللي تخليه يستقصدني ويلقّح عليّ كلام وأنا قاعدة وسامعة ومش مصدقة اللي أنا سامعاه. أنا مش مسامحة المخلوقة دي، ولا مسامحة غرورها، وسخريتها، وأذاها ليّ من غير ما تعرف عني حاجة، ومن غير ما أعمل لها حاجة، ولا يبقى ليها عندي حاجة، وأحب أستغل الفرصة في الأيام المفترجة دي وأقول: أنا بكرهك يا ياسمين، وربنا يرزقك بـ إيشوز زي الإيشوز اللي عندي، وتلاقي فوقيها اللي يئذيكي زي ما أذيتيني.

ماذا سنفعل الآن؟

ماذا لو كانت لبنى التي في عقلي لا وجود لها؟ ماذا لو كانت لبنى التي تتكلم عبر كتاباتي لا تعبر إلا عن نفسها لا عني؟ ماذا لو كانت الرسائل بيني وبينهم، رسائل بينها وبين أشخاص لا أعرفهم ولن أعرفهم أبدًا؟ ما فائدة عمل ملفات كاملة بكل هذياناتها؟ هل دراسة الملفات ستكون دراسة لها أم لي؟ أين أنا؟ من أنا؟ ما الذي يعبر عني؟ لماذا لا أستطيع أن أعبر عني؟ لماذا لا أستطيع أن أميز مشاعري وأصفها مباشرة دون اللجوء إلى الكتابة؟ أفعل أحيانًا، لكن لماذا لا أفعل دائمًا؟ أي إعاقة هذه التي أملكها؟ لماذا لا يراني حقًّا أحد؟ لماذا لا يراني إلا أختي؟ لماذا أكره أحيانًا رؤيتها لي؟ لماذا أشعر أحيانًا بالكراهية، تجاه نفسي، والناس كلهم، والعالم كله؟ لماذا كرهت نفسي ليلة أمس، وقاومت بشدة لطم وجهي، وتمزيق بطني بالسكاكين؟ لماذا رغبت في ذلك ساعتها، أكثر من أي شيء آخر، أكثر من النوم المتعذر نفسه، وأكثر من التلاشي؟

مستعذبو الألم

مستعذبو الألم
الألمُ والمُتعةُ قَرِينان، لكنَّ هذهِ القِصةَ التي بَينَ أَيدِينا تَذهبُ في فَلسَفتِها المُثيرةِ إلى ما هُو أبْعدُ مِن مُجرَّدِ اقتِرانِهما؛ فبَدْءًا مِنَ التَّسفِيهِ مِنَ الألم، مُرورًا بالاحْتفاءِ بِه باعتبارِهِ مُمتِعًا، وُصولًا إلى استِجلابِه طَلبًا للمَزيدِ مِنَ المُتعة، تَنطلقُ رِحلةُ نيكولاس فانس مَعَ الألم. يَبدأُ رِحلتَهُ مُتألِّمًا، وساعيًا إلى التَّخلُّصِ مِن ألمِهِ المُزمِنِ ذاك، لكنَّه سُرعانَ ما يَجدُ نَفسَه داخِلَ مُجتمَعٍ كاملٍ مِمَّن يَستعذِبونَ الألم، العاشِقِينَ لهُ والمُنتشِينَ بِه. فهلْ يَعتنقُ الشابُّ نيكولاس فَلسَفةَ مُستعذِبي الألم، ويَتماهَى مَعَها؟ هَل يَقتنعُ في نِهايةِ المَطافِ بأنَّ المَرضَ أكثرُ مُتعةً مِنَ الصِّحة؟

للتحميل مجانًا: https://www.hindawi.org/books/35152952

4

من سنتين اجتهدت وكتبت تدوينة اسمها «لماذا تشعر لبنى بالخوف». لبنى دلوقتي خايفة ومش عارفة ليه.

هابيتات

يا رب ادينا حد نستخبى معاه وما نفكرش في أي حاجة تانية، عشان تعبنا من التفكير والتشرد.

2018-06-09

2

عايزة حد أقرا عليه كل كل حاجة، وأكلمه عن كل حاجة، فيبقى فاهم، ويساعدني أحل كل الحاجات اللي مش محلولة. مش لازم تبقى حلول، لكن ممكن يبدأ يحضنني، ونبقى نشوف.

سرحان عبد البصير، كنت فين يوم 24 نوفمبر الساعة 10 بالليل؟ عملت إيه من وقتها لتاني يوم الصبح؟ وحسيت بإيه؟ حسيت أصلا؟ جاوب على قد السؤال، يا آه يا لأ.

في وقت ما السنة اللي فاتت، الفضول خلاني أنزل الأبلكيشن بتاع تندر، وأدخل أشوف فيه إيه. كان ممل بالنسبالي وبلا معنى، وشيلته بعد يومين تلاتة. في يوم منهم، كلمت حد، مش فاكرة اسمه، ولا شكله، ولا إيه حكايته، ولا فاكرة أنا قلتله إيه، إلا إني قعدت أحكيله عن صديقي المفضل (وقتها) اللي اتعرفت عليه من شهرين، وغيرلي حياتي، وقد إيه كل بني آدم محتاج يبقى في حياته شخص له التأثير ده.

بفكر أتفق مع الدكتور يسمح لي أقرا له أكبر قدر ممكن، ده أفيد كتير من اجترار الحكي، أو تضييع الوقت في حكي ملوش لازمة، عشان عقلي بيعمل بلوك للحكي اللي له لازمة، أو بيجرده من محتوياته الحساسة اللي فيها أصل العلة.

2018-06-07

أبرع رجل في العالم

أبرع رجل في العالم
إدوارد بيدج ميتشل
ترجمة لبنى أحمد نور
مراجعة هبة عبد العزيز غانم

تُعَدُّ هَذِهِ القِصَّةُ مِن قِصصِ الخَيالِ العِلْميِّ الأُولَى التي عَبَّرت عن الخَوفِ ممَّا يَحمِلُه مُستقبَلُ الذَّكاءِ الاصْطِناعِي، باعْتِبارِهِ مُنافِسًا لِلإنْسان، ومُهدِّدًا لحُرِّيتِه، ورُبَّما لوُجودِهِ نَفْسِه. عَبْرَ أَحْداثٍ مَلِيئةٍ بالغُمُوضِ والتَّشوِيق، نَكتشِفُ سِرَّ الآلةِ الَّتِي يَعتمِدُ عليها أبْرعُ رَجلٍ فِي العالَم؛ تِلكَ الآلةِ الَّتِي تُؤهِّلُه للسَّيْطرةِ عَلى القارَّةِ الأُورُوبيَّة، بَلْ وسِيادةِ العالَمِ بأَسْرِه. لَكنَّ هَذا المَصِيرَ الذي بَدَا لِلَحْظةٍ مَحْتومًا يُثِيرُ فَزعَ بَطَلِ قِصَّتِنا، السَّيدِ فيشر، ويَحمِلُه عَلى فِعلِ أيِّ شَيءٍ للحَيْلُولةِ دُونَ تَحقُّقِه. فهَلْ سيَنجَحُ السَّيدُ فيشر في ذَلِك؟ وهَلْ سيَتَمكَّنُ مِن إيقافِ أبْرع رَجلٍ في العالَم؟

للتحميل مجانًا: https://www.hindawi.org/books/74186493

تاخد/ي كام؟


(تحذير قبل المشاهدة: المحتوى لا يناسب من هم دون 18 عامًا)

مش فاكرة إيه الصدفة اللي خلتني أشوف الفيلم القصير ده من فترة. لكن فاكرة إني شغلته أكتر من مرة، وما كنتش متأكدة من إن فكرته واصلة لي بوضوح. أوضح ما وصلت له هو: إن الدفع مقابل الجنس، يُفترض بيه إنه يُشعر الرجل بالسوء، وبإنه مش محبوب ومرغوب لذاته، ولكن لفلوسه، وإن ده شيء بيهدم الحب والتكافؤ في العلاقات، وبيخليها معتلة، أيًّا كان إطارها. ومن ناحية تانية، الست اللي قبلت تاخد فلوس نظير تلبية طلب حبيبها اللي هي مش متحمسة له، وإن بدا الموضوع بالنسبة لها في الأول فكاهي ومش جاد، رجعت تحس إنها متضايقة وإن فيه حاجة اتاخدت منها من غير مقابل، وبقت بتطلب منه بجدية إنه يوفي بوعده ويدفع لها، لأنه هو استمتع وهي لأ. التعبير اللي على وشهم في الآخر، وهم بيقولوا لبعض إنهم بيحبوا بعض، وإنهم عايزين ينسوا اللي حصل، باين فيه جدًّا إن فيه حاجة اتكسرت بينهم، وجرحتهم هم الاتنين، وصعب ينسوها، لأنها بتمس إحساس كل واحد منهم بقيمة نفسه عند الشخص التاني اللي المفروض إنه بيحبه، مش بيشتريه أو بيبيع له نفسه. وطبعًا، مفهوم إن البيع والشرا مش بالضرورة يكون بالفلوس.

اللي فكرني بالفيلم، مقال عظيم مترجم ترجمة حلوة أوي، اسمه: الجنسانية كشُغل: كيف دُمّرت قدرتنا على الاستمتاع بالجنس. ممكن تقروه من هنا.

2018-06-06

رحمة

أن تقفز وأنتَ تعرف أنكَ ستُلتقط، هو نوع من الرحمة، لم أعرفه قط، لكنني أشتهيه.
ظننتُ أني قفزت
حين بكيتُ افتتانًا وخوفًا
ظننتُ أني التُقطت
حين قال لي لا تبكي
أنا أحبكِ
أنا أشتهيكِ
وكانت مقالته الحنون
أطيب ما عرفتُ من الرحمة

موسيقى الصمت

عزيزي الزائر المغربي، صباح الخير!

لعلك أمضيت فجر يوم لطيفًا بين تدويناتي ودواويني. يغمرني شعور بالامتنان. هذا الفضاء يعطينا واحدة من أثمن العطايا، أن يعرفنا من نعرف ومن لا نعرف، وأن يقرؤونا ويصغوا إلى حكاياتنا، بمحض إرادتهم.

إذا سمحت لي، أريد أيضًا أن أحكي لك حكاية جديدة، عن سدادات الأذن الجديدة. اقتنيتها منذ يومين من إحدى الصيدليات، بعد أن خيَّرني البائع بين ثلاثة أنواع، ظننت أني اخترت أفضلها وأكثرها أمانًا. أرتديها الآن إذ أكتب لك، لكنني ما زلت أسمع نقراتي على لوحة المفاتيح، ونقرات جميع الزملاء المحيطين بي على لوحاتهم، وثرثرة رجال الأمن والصيانة، ودبيب النملة، رغم أنه لا وجود للنمل في المكان.

أنا في حاجة ماسة إلى إسكات العالم كله، وأتصوَّر أن في سكوته بعض شفائي. هذه الأصوات بأنواعها ودرجاتها المختلفة تعذِّب عقلي، وترهقه، وتحرمه سلامه، وتفقده القدرة على مواصلة العمل بشكل سليم، وتقوده أحيانًا إلى الجنون.

يشعرني بعض الناس بالسوء لأني لا أحب الموسيقى. ولم أكن أنا نفسي أعرف سببًا واضحًا لعدم حبي لها. ظننتُ سابقًا أن نشأتي البعيدة عنها والمحرِّمة لها هي السبب، مع ما ترتب على ذلك من ضعف ثقافتي الموسيقية. لا أقول إنه ليست هناك أغانٍ ومقطوعات تعجبني، أو أعجبتني في وقتٍ ما، لكن يظل تذوقي لها في كفة، وكونها تزعجني ولا أستطيع التعايش معها في كفة أخرى. والكفة الثانية ترجح في الغالب الأعم. ويظل ما يطربني بحق هو موسيقى الصمت التام.

أنا أحب الإصغاء إلى ملمس الأشياء، وصورها وألوانها، إلى دواخلها ومعانيها، وأشعر أن الأصوات المزعجة تفسد عليَّ هذا الإصغاء. الصور أيضًا يمكنها أن تكون مزعجة بالطبع، عندما تكون قبيحة، أو عندما تشغلني عن الاستغراق في فكرة أو شعور ذي أولوية لدي.

لأشرح لك ما أعنيه، سأضرب لك مثالًا. عرفتُ العام الماضي رجلًا أعجبني عقله وقلبه، وتنبَّهت وانجذبت له أنوثتي. تستطيع القول — بعيدًا عن كليشيهات الحب — إني أحببته. كانت لدينا رغبة مشتركة في أخذ صداقتنا التي تطورت إلى الإعجاب إلى مرحلة جديدة. لكن خطة الارتقاء تلك فشلت. صديقي جعل الأمر يبدو وكأنني أنا صاحبة قرار إعلان الفشل. ليكن. بعدما أعلنت انسحابي، عدت بعد عشرين يومًا لأراه للمرة الأخيرة. كانت طبول ونايات وآلات وترية لا حصر لها، تعزف داخل عقلي في الطريق إليه، وهدأ كل شيء حين رأيته. لا لم يهدأ كل كل شيء. كان قلبي يخفق بقوة، وكانت عروقي تنتفض، وجسدي يفيض بالحب والرغبة. كان كل ذلك يستهلك عقلي بما فيه الكفاية، ولم أكن أحتاج شيئًا مثل حاجتي لأن يصمت الكون كله، ولا يُسمع فيه إلا نظر أحدنا للآخر وهمس أحدنا للآخر. لكن صديقي كان على النقيض، الصمت يثير جنونه، وفي الوقت الذي كانت فيه الضوضاء تفصلني عن نفسي وتشوش مشاعري وأفكاري وترهق عقلي، كان خلو المحيط من الأصوات، يزعجه، ويجعل عقله نهبًا للوحوش والكوابيس الحقيقية. مفارقة الاستجابة للأصوات هذه، كانت بين مفارقات أخرى، سببًا في التصديق النهائي على نهاية العلاقة. لم يكن ليستطيع العيش مع صمت عالمي، ولم أكن لأستطيع العيش مع صخب عالمه.

2018-06-04

البلوزة الحمراء

في بداية العام أمضيتُ أكثر من شهرين، أتلقى علاجًا مكثفًا للحساسية الصدرية. قبلت التشخيص بغير اقتناع، لسببين أساسيين: الأول أنني أردت التخلص من السعال، أيًّا كان سببه، حساسية أم حزنًا، والثاني أنني تعشمت أن يعالج الدواء الحزن أيضًا. وكان السبب الثانوي أن الطبيب المعالج أبويٌّ وطيب ويوحي بالثقة. في نهاية الكورس العلاجي، خفَّ السعال، ورمى بي الحزن في قاع البئر، معلنًا بداية أوجاع جديدة لم تُشخَّص بعد.
لستُ عنيدة للغاية كما يبدو للبعض، ولا مرنة كما أدعي أحيانًا، لكنني سأقبل بالتأكيد أن يشخص أحدهم مرضي بأنه كسرة في القلب، فقط إن كان سيصف لي الدواء الذي يجبر كسر قلبي.
أكتب الآن من مقهاي المفضل، أحتسي الشاي الأخضر، وآكل قطعة باذخة الجمال من التشيز كيك، وأفكر في كل الأسباب التي أستبعد بها فرضية القلب المكسور، ولا أرى تعارضًا بين فكرتي وبين افتقادي لصديقي، والدمعتين اللتين ذرفتهما الليلة الماضية لأنه أوحشني، رغم كل شيء.
مكسورة القلب أم لا، أعلم أني وحيدة، وأني لا أجيد وصف وحدتي للأصدقاء ولا للأطباء. أعني أني أبذل جهدًا أكبر في الكلام والوصف، لكنهم لن يتخيلوا ما أعنيه. لن يعرفوا ما يعنيه الدماغ الفارغ ولا التركيز المعدوم ولا الألم الشامل، والجهاد المستمر لفعل الحد الأدنى مما يجب فعله.
أجاهد أيضًا من أجل التحقق، ومن أجل أن أكون طيبة وحقيقية. وفي وسط ذلك كله يأتي ناس ليرجموني، لأن صورتي في أعينهم لا تعجبهم. كيف سأضيف إلى قائمة مهامي التي يصعب عليَّ الإيفاء بها كلها، مهمة تحسين صورتي في أعينهم؟ أعينهم مسؤوليتهم لا مسؤوليتي!

هل أصبحنا؟

أعود لضبط المنبه على موعد مبكر، وبرغمه أصحو بعد موعد الحافلة. أقول لا بأس، سأتحرك بعد قليل وأصل إلى العمل متأخرة قليلًا. أنهض، أدخل الحمام، أفكر في أن وجهي الذي يظهر في مرآة الحمام ليس متعبًا كثيرًا. أتدبر أمر الإفطار، ويرضيني أنني وجدت قليلًا من العسل الأسود والطحينة اللذين تشعرني التحلية بهما بالرضى. أدخل غرفتي مرة أخرى لأرتدي ملابسي، لكني أجد السرير هناك فأتمدد عليه. أحتاج إلى دقائق إضافية من إغلاق العينين، وأتابع بالعينين عينهما عقارب الساعة. تأتي أختي لتقبلني قبل أن تغادر، بينما يهتز منبه التاسعة إلا دقيقة، موعد تناول الدواء. أتجاهل الأدوية الكثيرة وخطة الذهاب إلى العمل، وأغوص في النوم. تمر ساعتان، أرى في الحلم ألف شين. لا أراه هو هو، ولكني أرى رسالة أرسلها لي على فيسبوك. يقول إنه وصل إلى عمله مبكرًا وفكر في مراسلتي للسؤال عن أخباري، وليشاركني صورًا كثيرة له ولأسرته وبنات أخته اللاتي كبرن. الصور تبدو زاهية وحيوية، لكنني لا أهتم بتفحصها كثيرًا، وأفكر: هل سأرد عليه كأنه إنسان عادي، أم سأستغل الفرصة لشتمه و«تهزيئه»؟ أفتح عيني، وقد أدركت أن اليوم قد ضاع، وأنني لا أريد مواجهة هذه الحقيقة، ولا أريد تعويض الإنتاجية المنهارة، ولا أريد الذهاب إلى العمل ثانية. أو ربما أنا أريد ولا أستطيع. عدم الاستطاعة مبرر. أحداث الأمس مثلًا تمثل مبررًا قويًّا، وإن كان المثالي ألا أتأثر بها كثيرًا. لكنني متأثرة وأتأثر وهذا هو واقع الأمر. آخذ أدويتي الكثيرة التي أخرتها ساعتين، وأكسل عن جلب كأس من الماء البارد الذي أحتاجه الآن، لكني أحتاج العودة للنوم. لن أنام، سأفتح فيدلي لأرى ما الجديد. لا يلفتني الكثير، لكني أتوقف عند تدوينة لرزان، تقول فيها بين أشياء كثيرة، إنها لا تريد المواجهة. أنا أيضًا لا أريد المواجهة، ولا أريد أن تصحو أختي الأخرى الآن وتكتشف أني في البيت لليوم الثاني على التوالي، وترمي تعليقًا مستفزًّا من تعليقاتها المعتادة. أريد أن أختفي في السرير اليوم، وأن تأتي لي الجنيات بكؤوس الماء البارد، لأرتوي، ولتذهب المرارة التي أشعر بها في فمي.

1

اثنان موصوفان للأرق: الأورجازم والبكاء.