2018-08-30

حكاية صوتي

زمان وأنا صغيرة كنت كارهة صوتي جدا، وفضلت كده لوقت طويل. كنت بحبه في القرآن بس، وبحب تحكمي المبهر (آه مبهر) في التجويد والتنغيم ومخارج الحروف. غير كده ما كنتش بحب أسمعني وأنا بتكلم، وأظن ده من الأسباب اللي خلت كلامي قليل وصوتي واطي ومكتوم ومش بيطلع بكامل عنفوانه وفخامته (آه فخامته).

أول مرة ركزت مع كراهيتي لصوتي، كنت على عتبات المراهقة، كنت بسمع نفسي في شريط كاسيت شاركت أمي في تسجيله عشان نبعته مصر. فيه شرايط قبلت صوتي فيها على مضض، وشرايط مسحته منها، وشرايط رفضت أشارك فيها. والسبب: صوتي وحش وشبه صوت الولاد.

في مرحلة تالية كان بيتقال لي إن صوتي هادي ومش مسموع، وأحيانا بيتقال لي إنه هادي وحنون. كنت لسة كاتماه ومش بحبه، لغاية ما حصلت مفاجأة. أول حد قال لي بحبك (والوحيد لغاية دلوقتي) ما كانش صوتي بيطلع في المرات القليلة اللي كلمته فيها. كان بيتحايل عليّ أقول أي حاجة، وأنا ساكتة تمامًا، كأني مقتنعة إنه حتى لو عندي حاجة أقولها مش هعرف، ولو عرفت مش هحب أسمعني، بينما هو كان بيقول لي: كلميني، عايز أسمع صوتك، بحب صوتك. ما صدقتش طبعًا، هصدق ازاي وأنا لي ٢٤ سنة كل اللي أعرفه عن صوتي إنه ما يتسمعش؟

في وقت ما بعد كده بكتير، استرجعت حلم قديم، كنت فيه بستخدم صوتي بحرفنة في القراءة، قراءة القرآن، الأدب، الشعر، أي حاجة بالفصحى، تسمح لصوتي يخرج من غير ما يشبه كلامي العادي، المتراخي، اللي مش بحب وقعه على وداني، وعلى ودان الناس بالضرورة.

بدأت أسجل أشعار ونصوص، معظمها بتاعي، وبعضها لناس تانيين. نصوصي كانت علشان أوصل إحساسي بيها وطريقة نطقي ليها وضبطها لغويا كما يجب، عشان ما تبقاش رهن قراءة آخرين، ممكن ما يكونوش على الدرجة نفسها من الإتقان. أما نصوص الآخرين فلأني بحبها وعايزة أسمعها وأسمّعها للناس زي ما بتتردد جوايا وأنا بقراها، بضبط وإتقان واستمتاع. سعيت في إني أتعلم أكتر عن الإلقاء، وأشتغل في الفويس أوفر، وحققت ده فعلا في أول ٢٠١٧ ضمن شغلي في مجموعة نيتشر للأبحاث.

لو هرجع بالزمن شوية، هلاقي إني كنت بتبادل رسايل صوتية مع أصدقاء قلائل، على رأسهم الجميلة أمل إدريس القاطنة في الجانب الآخر من العالم. وبالتقدم في الزمن تاني، هلاقي محمد. في يونيو من السنة نفسها، كنت على البحر في راس سدر أول يوم العيد. كنت بكلمه في التليفون، بعد ما سمع فويس نوت بعتهاله مع شروق الشمس. قال لي في رسالة رد فيها على رسالتي: صوتك حلو، صوتك في الفويس نوت دي دلوقتي حلو ومرتاح ومش متكتف بحاجة.

ما كانتش أول مرة يسمع صوتي، لكن البحر كان مصفيه ومخليه منتعش ومرتاح وواثق من نفسه. ما لحقتش أسمع الفويس نوت بتاعته كلها لآخرها إلا وكان متصل عليّ. فاكرة تمشيتي على البحر وأنا بكلمه، وكتير من اللي قاله وقلته، وبالأخص: انت شاطر أوي في موضوع الفويس نوتس ده، انت بتعملها ازاي؟ حكيتله عن شعوري بالإحباط، لأن رسايلي الصوتية الطويلة لأمل كانت مملة وممطوطة ومش عاجباني.

المهم يعني، كنت بحب أسمع رسايل محمد ليّ، وكنت بخاف أسمع رسايلي له، رغم احتفاظي بيها كلها، وبنسخ احتياطية منها. كنت بخاف أبعتله الرسايل مباشرة، وكنت لازم أسمعها أكتر من مرة، وساعات أعيد تسجيلها قبل ما أبعتهاله. مع الوقت بقى محمد بيبعت لي أقل، وببعتله أكتر، بس أنا حابة إنه بيسمعني. ساعات كنت بحب صوتي في الرسايل دي، بالأحرى قدرتي على استخدامه في إني أقول اللي عايزة أقوله، بقدر أكبر من الخفة، وبقدر أقل من الغرابة. وساعات كنت ببقى عايزة جدا أبعت أو أتصل، بس اللي مسيطر عليّ أكتر هو شعوري القديم بإني معنديش صوت.

مع الوقت بقيت بحس صوتي بيقوى، ومش بخاف منه، ومش بخاف أتحكم فيه أحيانا، وأسيبه يتحكم في نفسه أحيانا. بعد كام شهر، كنت ببعت رسالة صوتية طويلة لأسماء صاحبتي، ولما سمعت نفسي، قلت: يا لهوي، أنا بقيت بتكلم زي محمد! كلامي بقى سلس ومتماسك، وصوتي قوي ومتدفق ومفعم بالحياة (آه مفعم). بعد شهرين كمان، انتابتني حالة شبه عزوف عن الكتابة، وبقيت بحب أدوّن وأتواصل مع الناس أونلاين بصوتي، مهما كانت حالته. سليم تعبان، حزين فرحان، بيقول أي حاجة تخطر على بالي بعفوية أو بسابق تخطيط.

إيه اللي خلاني أحكي حكاية صوتي دلوقتي؟ السبب المباشر إن صديق عنده مشاكل (أو هكذا يزعم) اتحرش بصوتي تحرش غير مقبول، وبفكر هل هقبل اعتذاره ولا هعمل له بلوك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق