‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابتذال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابتذال. إظهار كافة الرسائل

2014-04-04

أوشك الصمت حولنا أن يقوله


لو أمكنني أن أستبدل بالفراغ الذي في نفسي الرجل ذا الوشاح الأحمر، يجلس على بعد سبعة أمتار من صديقة بعيدة، يحتسي حسوات من القهوة، تنتشي لها شعرات ذقنه نصف الحليقة، فتبدو خربشات رجولته أكثر إثارة، ويبسم فيتداعى الفنجان حتى ليكاد يهوي من بين أصابعه.

عذرًا، كانت هذه محاولة مبتذلة لوصف مشهد مبتذل، باستخدام أسوا الكليشيهات الممكنة.

أعود لأشهد عينيه الخضراوين، وأتذكر أني لا أحب العيون الخضر، لكن شيئًا في نغمة صوته يجذبني إلى داخله، على الرغم من أن ساعتين من الزمن قد انقضتا وأنا أرهف سمعي لكلمة قد تصدر عن عمقه، وما أدركت منه سوى همهمات. هو رجل صوته جميل إذن في الهمهمة!

محزن أني لن أتمكن من إضافته لقلبي لبعض الوقت. أفضل له. وأكثر إلهامًا لي؛ فذوو القلوب النابضة لا يجدون ما يُكتب عنه. النبض ممل ورتيب (إن كنت تفهم قصدي يا ذا الوشاح الأحمر).

بالمناسبة، لعلك تعرف أن الأحمر لوني المفضل. مرةً خرجت في موعد مع نفسي، وظللت طيلة الموعد أترقب حبيبي الذي لم أشركه معي ونفسي في الموعد. ظننت أنه سيأتي من تلقاء نفسه، أو بالأحرى، سيأتي لأنني أرتدي سترتي الحمراء التي تجعلني كفلقة من قلب وفلقة من زهر. ظننت أن كونك زهرة في نهايات الشتاء، يلزم الحبيب الإتيان إلى حيث يهز ساقك الخضراء نسيم السِّحر.

ما هكذا تجري الأمور على كل حال. فمثلًا، في الوقت الذي تتناول فيه طعام إفطارك مع أمك الستينية ذات الذراعين الضامتين، أقبع أنا أمام صفحة النيل شبه الراكدة مياهه، وأكتب.

اعتقدتُ أن الكتابة عرض جانبي. الأشياء تحدث، وتأتي الكتابة حين تأتي كناتج، كحدث على هامش الأحداث. وفي حالتنا نحن المتوحدين المنغمسين في الوحشة ومرادفاتها، تكون الكتابة في قلب الحدث وربما الحدث ذاته.

الحدث الآن أني أكتب، وعلى الهامش أفكر في الصديق الذي ليس صديقي جدًّا، والذي أعرف أنه سيكون هنا بالجوار، وأنه لو كان لنا أن نلتقي عرَضًا، لكان ذلك مؤنسًا ومبددًا لوحشة الانتظار، لكنني لن أفسد الكتابة وحيدةً، بدعوة صديق قد أكره صحبته بعد دقائق.

الفتى الحلمُ أيضًا. تعرف يا ذا الوشاح أن فكرة دعوته على طريقة:
"عزيزي الفتى، لدي تذكرة إضافية للحفلة، وأتمنى أن ترافقني بخفتك المعهودة. لن أكلفك الحديث ولا الشعور، ولن أخبرك كم أعشق الطريقة التي تنطق بها السؤال عن "الأخبار" و"الأحوال" وكأن كل حرف تنهيدة جبل، وهبَّات سلام. لن أسألك عن شيء، وكم وددتُ أن أسألك عن كل شيء. ولن أهمس لك: لا تفلت يدي المصافحة يدك وشدَّ عليها أكثر، يمكنني أن أتحمَّل. يمكنني احتمال صمتك وصراخك اللا نهائيين. ويمكنني أن أغرق معك حين تغرق، وأخوض في السحاب معك حين تخوض، وأن أكون القمة حين تعلو وحين يأخذك القاع. يمكنني أن أبلغ قاعك، ولسوف لن أحدث هنالك جلبة. أعلم أنك تحب الهدوء، وأنك نبي، وأنا باشرت منذ مدة أولى دروسي في النبوة. وأعلم أن الطريق إلى القداسة محفوفة بالحب، وأنا يائسة للوقوع في الحب. وأعلم أني لن أقع فيك. علمني، ولتعد بعدها إلى قراطيسك وطلاسمك، ولتكتب عني قصيدة لا تحمل اسمي ولا تصطبغ بلوني، بل بفلسفتك حين غازلَت فلسفتي، وبشفتيك حين نبستا بحرفي، وبنار المعبد حين اغتذت بحُلمينا وحلمتي نهديَّ الشاخصتين إلى حلمتيك، تودان لو اندغم الصدر في الصدر ووَفَر النفس."

أنا أنتظر يا ذا الوشاح، يا أخضر العينين، يا حبيب أمِّك. وأعلم أن فكرة الفتى محض فكرة؛ مثلك تمامًا، ومثلي، مثل صديقي الذي لم يظهر حتى الآن، ومثل صديقتي التي تبعد عنك سبعة أمتار، ومثل الولد الذي يغني عبد الحليم وحوله بنت تحبه هو وعبد الحليم، ومثل ليلى المريضة في العراق. (ما حكايه ليلى صحيح؟) ما يدريك أنت!

بمناسبة الحكايات، وجوه عدة حكَت وجه الفتى اليوم. كلما ألتفتْ أرَ ولدًا مهوَّش الشعر، ترابي الملامح، تائه العينين صافيهما، طائر الجنان، كماه. لا أريد له أن يكون أحدهم صدقني، أنا فقط أرجو أن لا تأتي ذكرى رؤياه السنوية الثانية، إلا وأنا حيث لا أعرف، أراه بقفا عيني، أستدير فأسأله: أنت الفتى الحلم؟ مرحبًا، أنا الحمقاء التي لم تعد تحلم بك، يا غبي.

3 أبريل 2014

2013-08-14

طمنيني عليكي

لما اتصلت بتيتة من شوية كان صوتها متعب بفتح العين وكسرها، لكنها كانت ممتنة
يمكن تكوني اطمنتي شوية زي ما قلتي، لكن أنا مش مطمنة يا تيتة
قلق وقرف وخوف وحصار ... كل الحاجات الحلوة متحاصرة وأنا حرة 
مش عارفة أروح لكل اللي يهموني أقولهم حاجة متبقاش مبتذلة أوي
كل الحاجات اللي ممكن تتقال مبتذلة
انت كويس؟ انتي كويسة؟
خلي بالك من نفسك!
معلش!
طمني عليك!
أنا خايفة!
قلبي بيوجعني!
انتو موجودين؟ طيب، كويس! أنا كمان!
أي كلام هيكون مبتذل
وحتى إبداء الإعجاب أو عدم الإعجاب بآلاف المنشورات على مواقع "التواصل" شيء سخيف
مش عايزة حد بحبه يموت وميتعرفش القاتل، وحواليه حد وحد وحد ... كل حد منهم مؤمن بإن الحد التاني هو القاتل
مش عايزة حد بحبه يموت بنية الشهادة، ولا يتقال عليه شهيد، ولا تتقال الكلمة دي تاني أبدًا
مفيش شهداء .. فيه قتل .. فيه دم .. فيه حزن
وفيه حد دايمًا قاعد بيضحك قدام الشاشة والممثلين مش شايفين وشه

2013-08-06

طبيعي أصلًا


لما بفكر بروية وبحيد أفكاري الخاصة وتأثيرات نمط حياتي غير الاعتيادي، بفكر إنهم طبيعيين.

يعني إنه طبيعي يكون فيه حد صايم (مش بياكل ولا بيشرب) في رمضان، حتى لو كان مريض، حتى لو اضطر يلوي عنق مواعيد الدوا، وعنق الطبيب اللي يعارضه، وعنق الست ساعات اللي بين الفطار والسحور.

طبيعي إن بنت صغيرة أو كبيرة تحسب العدد المتوقع للمتحرشين مع كل قطعة ملابس غير آدمية بتقيسها قبل ما تشتريها، وتحسب ضمنهم المتحرشين من كبار الرجال والسيدات المقربين في العائلة، واللي مش ممكن يبخلوا عليها بملحوظة من نوع: ابقي وسعي لبسك المرة الجاية علشان ميصحش الناس تبص على جسمك كده. بفكر إننا لسة بنتكلم عن اللبس مش عن حاجة تانية (زي القلع مثلًا).

طبيعي إنك في نهاية نهار طويل وبعد ما حصلت على كوباية ماية ساقعة، تلاقي حد بيخادها من مكان ما بين إيدك وحلقك، علشان لازم تشرب الخشاف اللي فيه تمر وتين ومشمش وحاجات تانية ممبلولة في ماية بسكر، علشان ميصحش تخالف سنة النبي وتشرب مجرد ماية ساقعة، علشان انت مش عايز تدخل الجنة مع النبي.

طبيعي لما تكوني واحدة من الجميلات المشهود لهن بالجمال، ويعرضوا عليكي تعملي إعلان عن آخر المكتشفات، تتحمسي جدًا، ورغبتك في إن الخير يعم البلاد والعباد لما تضيفي ليها حبك للرقم تمانية ... طبيعي أي تلميذ نجيب هيحب يجيب 8 من 8 بدل 2 أو 2.5 من 8 ، ومش هيكون عنده مانع يعامل التمانية واللي وصى بيهم على إنهم أرقام. لكن أرجع أفكر: وإيه يمنع؟ الصدقات يعني حسنات والحسنات بتتحسب بالأرقام، منطقي.

2013-07-26

عن الابتذال


مبدئيًّا، اللحظة الراهنة قاسية وعنيفة وموترة، ويستوي في ذلك كونها سعيدة وكونها غير سعيدة. أدعم بشدَّة طريقة "عيش اللحظة" لكن أحدًا لا يسعه إنكار أن جزءًا من عيش اللحظة مرتبط بالماضي أو المستقبل أو كليهما، وهما آخر وأفدح ما فقدت.

لا أدري كيف حدث هذا، لكنني وعبر الأشهر القليلة الماضية، نزفت شعوري بالماضي ومفردات النوستالجيا. حالة فقد للذاكرة الشعورية؟ ربما! على الأغلب! لكني ما زلت أسأل وأكرر الأسئلة، أولدها وأستولدها، وأفكِّر في أنني لو كنتُ أعبأ بالإجابات على النحو الكافي، لكنت وجدتها، أو بعضها.

المشكلة هي أنني أحتاج للقراءة، والقراءة متعبة وجالبة للهم، وأحتاج للكتابة التي تجعل من أسخف خيالاتي واقعًا، وأنا ما عدتُ أستسيغ الخيال -ربما لم أفعل قط- ولا أفهم الواقع -لم أفعل قط. الواقع إن النملة سجينة الصندوق الكبير لا تدرك أنها سجينة صندوق كبير -وإن ضاق بها بما رحُب- إلا إذا قرأت عن عوالم ما وراء الصندوق -مثلًا. قولك يا نملة، هل من حياة خارج نفسك فعلًا، أم أنكِ خالية منها، أم هم الخالين؟

إذن فالخربشات والنصوص القصيرة المشذَّبة، والتي تسجِّل -تحتال لتسجيل- خاطرٍ، حلمٍ، فكرة، ذكرى، اعتلال ذهني أو نفسي أو بدني، أو حتى انتعاش ... لا تكفي. والرسائل؟! ابنة لحظتها هي الأخرى، غير شرعية، غير أمينة ولا موضوعية. أتبادل قصارها مع سارة مثلًا، فيخف رأسي وهو ثقيل، ويثقل حملي وليس لي قوة على الحمل، أضحك وأبكي، وأقول في نفسي: لو عرفتِني حقًّا يا سارة! أرسل الرسائل الطوال إلى عدنان ويرسل لي، ولا أعلم إن كنتُ أريد لذلك أن يستمر أم لا، لكن تبقى هنالك تلك الشذرات التي تدوِّرها العاصفة وتكوِّمها، ولا أجد بدًّا من دسِّها أو بعضها في رسالة، وأدفع بينها بأناشيد الخوف.

أكاد أشك في حقيقة ادعائي المتكرر بأني خائفة. ليس مشكوكًا فيه فقط، وإنما أجده مملًا ومبتذلًا أيضًا. الحقيقة أيضًا كمصطلح ومُتشدَّق به شهير، الحقيقة مبتذلة.