‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسائل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسائل. إظهار كافة الرسائل

2015-12-14

رسالة إلى محمد

تفتكر إيه الأقسى دايمًا:
أم ميتة من زمان؟ ولا أسئلة جديدة مبتخلصش، وملهاش إجابات؟

يمكن مفيش فرق. أو يمكن الفرق إن الموت بيخلي الإجابة محكوم عليها تفضل غايبة، وبيخلي السؤال عالق، بيروح وييجي، في مكانه، في الروح، للأبد.

مجرد وجود الموت في خلفية كل الأسئلة، بغض النظر عن كونه سؤال مستقل، مجرد ده، بيزود احتمالات عدم الحصول على إجابات، عن أي حاجة.

صعب، أو مستحيل، تسأل سؤال الحب من غير ما تطرح معاه سؤال الفراق، والفقد، والخوف، وأسئلة الموت، والهدف من كل ده.

أنا فعلًا بقيت -أو كدت أن أبقى- مستريحة لفكرة الخطة الكبيرة (سميها القدر، سميها الطبيعة، الأمر الواقع، الـ أيًّا كانت) اللي أنا وانت عنصر فيها، فاعل ومفعول بيه، أو حتى عنصر مساعد هامشي كومبارسي ما، واللي حط الخطة -لو كان حد حطها- ميقصدش يضايقني أنا بالتحديد، أو يضايق أي حد. الخطة لازم تكمل، وعنصر منها يزق عنصر، وتتفاعل، تبسط ناس وتزعّل ناس، أو تبسطهم وتزعّلهم، نفس الناس في نفس الوقت، من غير أي لزوم لمحاولة أي حد منهم استكشاف الحكمة (غالبًا مفيش حكمة) ولا وجود لزوم ولا جدوى من المطالبة بالعدل، لأن مفيش ظلم أصلًا.

المخرجات على قد المدخلات بالضبط، ومش مشكلة الخطة العشوائية المضبوطة إنك ليك ردح من الزمن محطوط على طرف واحد بس من المعادلة، كناتج من نواتج الاحتراق، أو حتى كالحريق نفسه. في الآخر، الحرارة اللي بتئذيك بتدفي ناس تانيين، وكل شيء تمام جدًّا.

1 أكتوبر 2015

2015-04-25

ساعة اليأس

عزيزي،

الشتاء تخطاني، وما زالت روحي باردة. أقول إني أشتاق بشدة إلى "أشياء كثيرة" لا أعلمها، ولا أشتاق إلى أي شيء. لم أعد أخرج، لم أعد أجيد قراءة الأرصفة، والكلاب التي كانت تفزعني لم تعد تفزعني منذ سار بي إلى جوارها حبيب لم أستطع أن أجعله حبيبي. للصدق، أنا لم أرها بينما كنا نتمشى، وأنا لم أحاول أن أجعله حبيبي، ولا أن أجعله أي شيء آخر.

يقولون إنها ألعاب العقل، لا يوجد مصادفات سحرية، لا يوجد أحلام، لا يوجد غير ما هو موجود بالفعل، وكل ما يملأ هذا الرأس هو صورة شعرية أخرى لم يستشعرها/يستعرها شاعر بعد. أخشى ألا تكون الشمس حقيقية هي الأخرى! سيحرقني ذلك، وستظل روحي باردة، وستظل عيناي شاخصتين إلى الأعلى تطلبان من الشمس أن تظهر معجزتها أو أن تختفي، لن يكون لديها خيار آخر.

لماذا أكتب لك الآن؟ لأني حزينة؟ وحيدة؟ يائسة؟ داخلة في حالة من الاكتئاب الاعتيادي؟ أنا كلهن ولست واحدة منهن، لست سوى العجوز حبيسة نفسها والزمن الذي يمر ولا يمر، من جهة أتمنى أن تنتهي حياتي الآن حالًا، ومن جهة أتمنى أن تبدأ، بداية هادئة صاخبة عادية استثنائية أزلية أصلية، أو أن تبدأ مجرد بداية، فقط بداية.

لبنى أحمد
24 أبريل 2015

2015-03-19

عودة آسفة للكتابة لعزيز

من أسبوعين أو أكتر، وأنا بين إيدي كتاب حرك في دماغي أفكار مكنتش ممكن أتخيل إنها ممكن تتحرك، أو إنها ممكن تكون موجودة أصلًا.

عايزة أكتبلك يا عزيز عن الفكرة الجاية دي تحديدًا. الأول، بعتذر عن غضبي الشديد ونرفزتي عليك لما اكتشفت من كام شهر إنك مكنتش شخصية وهمية من البداية، وخليني أقول إني بسحب غضبي، ومستعدة أتجاهل حقيقة إنك لربما كنت حقيقي، وأستغل فرصة إنك مع ذلك متخيل وافتراضي بشكل كامل، بإني أحكيلك. ده بعد ما فشلت محاولاتي في مكاتبة أشخاص حقيقيين، لأسباب عديدة، علی رأسها خرسي اللساني والكتابي اللي انت عارفه، وخوفي.

نرجع لموضوعنا. مكنش فيه حاجة حقيقية وواضحة من البداية يا عزيز. أوضة المغسلة لما بشوفها في دماغي بشوفها من ورا فلتر غامق، رغم سيطرة اللون الأبيض وريحة المنظفات والعطور. بشوفني وأنا داخلاها من بابها اللي كأنه اتفتح في الفراغ، ومعنديش أي فكرة عن الطريق المؤدية إليه. بشوفني ضخمة مقارنة بمساحة أحد الكادرات، ضئيلة جدا مقارنة ببانوراما الأوضة، وبانوراما اللحظة اللي بتبدو لي غير منتهية بالمرة. الأوضة فاضية تمامًا، علی بابها النص مفتوح أنا، وصديقة للعائلة، لا تطاق، وحوض عليه جسم ملفوف في بياض كتير، ملفوف في عباية سودا خفيفة. الست بصوت مزعج، بتقطع جولتي في الأوضة وتأملي في ملمسها الرطب، بتقولي:
- هي دي؟ زيحي الشاش واتأكدي إذا كانت هي!

اللفات حوالين الجسم، كانت محكمة، بطريقة توحي بإنها بتغطي جسم صلب وبارد، مش جسم كان لين ودافي من يومين. هما كانوا يومين؟ مش متأكدة. لحظة الاختناق كانت الأول، وبعدها كانت لحظة الأزرق، وبعدها البرودة، وبعدها الإسعاف، وبعدها الانتظار، وبعدها:
- إيه؟
- سيبيني في حالي يا لبنی.
- يعني إيه؟

عمري ما عرفت يعني إيه يا عزيز. لما اتطلب مني أخرج للأوضة اللي بابها مزروع في الفراغ، كررت السؤال: يعني إيه؟ يعني خلاص؟

مكنش فيه خلاص. يمكن لو كنت كشفت عن الوش كان خلاص، يمكن لو مكنتش اكتفيت بالجواب الاضطراري:
- آه هي، أنا عارفة شكل جسمها (كتلتها).
- شفتي وشها؟

اتحججت بصعوبة اختراق الأغلفة، لكني، أكتر من مجرد الحجة دي، كنت خايفة يا عزيز، كنت خايفة لدرجة إني مكنتش حاسة بأي حاجة، ومركزة مع الروائح، والضوء المشتت حوالين الجسم اللي مفيش حاجة تؤكد لي هويته حتی اللحظة دي، إلا ادعاؤهم، وادعائي بإن أبعاد الكتلة قريبة جدا من الأبعاد الحقيقية المألوفة.

المشهد ده مألوف جوايا بكل عناصره، لدرجة تسمحلي بإني أنفيه تمامًا، وأعتبره من نسج خيالي.

نفس الخيال الجامح اللي خلی الناس اللي صحبوا الكتلة لبيتها، يزعموا، بيقين شديد، بإنهم شافوا في البيت نور شديد، في اتجاه مخالف تمامًا لاتجاه نور الكشاف اللي كان متسلط علی حيطة من حوايط البيت. البيت اللي خيالي بيحب يشوف إنه خرافة، ومالوش وجود، وإن الكتلة المألوفة الأبعاد لسة موجودة علی التربيزة في الأوضة البيضا، والنظر لوشها مش صعب أوي، لكن مستحيل.

19 مارس 2015

2014-09-19

أكتب لعزيز

عقلي الباطن مش بيعرف يقرن أشخاص واقعيين بأحاسيس اللذة والانتشاء. الراجل الحلو اللي حضنني وحضنته منتهی الحضن في الحلم امبارح، شريك الحضن الراقص والنافذ في الضلوع، معرفوش.

ده بيفكرني بالفتی الفكرة.

تعرف يا عزيز!
الحياة بقت تقيلة فعلًا. عقلي وجسمي علی فارغيتهم بيتمددوا، بتزيد كثافتهم، بيتقلوا، وبتتسد قدامي طرق الهروب.

فاكر لما كلمتك عن السكاكين والسلاسل اللي جوا رقبتي هتسحقها وهتفتفتها من جوه؟ هي لسة جوه، ولسة بتخنقني بالبطيء، بتسرَّع أكتر لما بعيط، عشان كده مش بعيط كتير، مش حابة أموت يا عزيز.

تعرف يا عزيز!
حد من اصحابي، متخيل إنه مش بيعرف يعمل أي حاجة، بس هو في الحقيقة بيعرف يقول، أو يكتب، بيثير غيرتي، بس بفكر إني حتی لو قلت، فأنا فعليًّا معنديش حاجة أقولها/أكتبها، كل اللي في دماغي وشّ وفراغ محض، مخلوط بتقل ووجع وعينين هتنفجر، ومشاكل كل يوم الكبيرة والصغيرة.

أنا عايزة أجازة من كل ده يا عزيز، وحد ينزع أدوات التدمير اللي مزروعة جوايا، وحد يسكت البنتين اللي بيضحكوا بصوت عالي في الباص الصبح، وحد يتصرف عني لما أكون مش عارفة أو مش عايزة أتصرف، وحد يشيلني خمسة سنتي عن الأرض عشان أمشي كل المشي اللي عايزة أمشيه طافية من غير ما رجلي تنتفخ وتوجعني، ولما أتعب ينقلني فورًا للسرير، بس يكون سرير من اللي بيناموا فيه بعمق، ومن غير ما يحسوا إنه من شدة تقطُّع أوصالهم مش عارفين يلموها في نومة واحدة مريحة ومش بتسرَّع من شغل أداة النحر.

حجزت معاد مع دكتور بكرة، تفتكر هقول له أنا حاسة بإيه؟ يعني إيه المرض اللي بيجمع ما بين إحساس المجنون والمشنوق والمنفجر واللي وجوده أتقل من قدرة رجليه علی الحمل والاحتمال؟

تعرف يا عزيز!
شكرًا لأنك خليتني أكتبلك.

الصورة دي هدية ليك، صورتها بموبايلي يوم الخميس اللي قبل اللي فات، لما السما كان مفتوح فيها شباك، الشمس بتدلدق منه بشويش، بمنتهى الحذر والاندفاع.

2014-09-14

هدوء

هادئًا أو متصنع الهدوء في موقعه بالزاوية -لا أقول البعيد بل المراقب- كان.

عزيزي صاحب الوشاح الأحمر، كنت لتستدل عليَّ من وشاحي الذي لوَّن انعكاسُه وجهي الخالي من مساحيق التجميل، تقول أختي: ما فعلتِ بوجهك؟ أقول: فعله الخجل. الهدوء فعلها أيضًا يا ذا الوشاح، ذلك الذي كان ليدلك علی الفتی بسمته الهادئ الذي يجعله يبدو قديمًا كأزل، بقميصه المقلم بعناصر غابة نهارية، بملامح وجهه المحايدة، وكأن كل مخلوقات الغابة ليس بوسع أحدها أن يستفز انفعاله، وأنت تعلم أنه منفعل.

لاحظ أنك تلعب دورًا من أدوار الإله هنا يا عزيزي، تتوافد عليكَ الرسائل بلا توقف، تترسَّل في مناجاتكَ بفنون المناجاة، تبوح لكَ بما يطيب لها تقدير أنكَ لا بدَّ تعرفه؛ أنت العليم كما تعلم.

تعلم أن كل شيء كان محسوبًا، وأن ما حسبت حسابه حصل. أقول لأختي في الليلة السابقة: ثمانون في المئة لا أقل. وفي اليوم التالي، أهدأ وكأنها مجرد خمسين، وفي الموعد أهدأ جدًّا وكأنها سالب واحد، ثم … مرحبًا يا أنا يا ذات الوشاح الأحمر، الفتی البريُّ هنا، ترينه بنسبة مئة في المئة. كفان تهتزان، تمتمات …
- سعيد برؤيتك، سأمضي.
- أجل.
قلتِ لي ماذا كان احتمال استبقائك إياه؟ جيد أنكِ ما زلتِ هادئة.

عزيزي صاحب الوشاح الأحمر، أنا بخير، ماذا عنك؟ ربما أنتَ مثلي، تتذرع بجفاف حلقكَ معللًا إحجامك عن النطق بما تريد النطق به. ما زال حلقي جافًّا وكلمتان غارقتان بذاتي غير الواعية: هل نلتقي؟

وتأتي الواعية لتضيف اللمسة الزخرفية: عزيزي الفتی -حطي النعت بالحلم علی جنب- تقول لنفسها، وإليه:
أردتُ أن أستشيركَ في أمر هام … ااام، لي صديقة حكايتها أنها … لا انسَ صديقتي، ما أريد قوله هو … ااام … كيف حالك؟ أنت حالٌّ فيَّ بطريقة أو بأخری.
كلَّا، الواعية لم تكن لتستخدم تعبيرًا بكشف ومجاوزة تعبير "الحلول". في الحقيقة، الواعية أعياها مداولة الحلول، وهي للحق لا تجد أيًّا من هذا منطقيًّا.

هل تعلم أني أعد كتابًا له؟ كنت أرجِّي الانتهاء منه وطبعه ولفه بالعطر قبل ليلة أمس، أرجِّي المزيد من الهدوء لأهديه إياه عوضًا عن كلامٍ لم أقله، ولن.

اليوم أجدني هادئة أيضًا، مفتوحة الرئتين علی بهجة لا أعرف مصدرها، مسبباتها واهية، ليست مصدريَّة ولا صخبويَّة، لكنها تجعل عضلاتي الأكثر التصاقًا بهيكلي تبتسم. هذا يفسر انقباضات معدتي غير المؤلمة، كجوعٍ خفيف، كاحتواء زمرةٍ من فراشاتٍ جائعة، لأجنحتها الرقيقة رفيفٌ واهن.

مرآتي تقرأ بنتًا أجمل حين أحبُّ يا أحمر، عيناي تمحوان خطوطهما وتتحدَّدان من جديدٍ علی هيئة حمامتين محلقتين في محجريهما، جلدي يصبح أكثر نعومة ويشف، تحلو شفتاي، أنحف، يرِق خصري وصوتي، وأصبح أقلَّ تشوَّقًا لإثارة مواطن لذتي بأصابعي أو بخيالي. يعني.. ما اللذة؟ ما مكافئها؟ ما يعدل فكرة الحب؟

تكبرني بكم؟ عشر سنين؟ ألفًا وعشرين؟ ألم تتعلم في سنواتك الكثيرة كيف تقبض علی تعريفٍ للأشياء؟ لو عشتُ ما عشتَ لأمكنني تهجئة الحب، بلا معلِّم، لما التبست عليَّ حلاوة الفتی بحلاوة الفتی، لحدَّدتُ لون الفستان وقصَّتَه، وفعله في جسدي وفعلي في مُخملِه، وحظَّ الليلة التي سأرتديه فيها من الفرح.

أعرف أن فرحًا عظيمًا سيحدث يا ذا الوشاح الأحمر. دع لي دور الإله العليم هذه المرة، وثِقْ.

14 أبريل 2014

2014-08-22

إلى الحسيني

لعلك تتفاجأ حين تعرف كم هو قليل عدد الروايات التي أنهيت قراءتها فعليًّا في حياتي. آخرها مسودة الرواية الجديدة لبركة ساكن؛ ذلك الرائع "الرجل الخراب"، كنت قد شرعت في قراءتها قبل نحو شهر، وأنهيتها بالأمس فقط وأنا أقول: "هو كذلك، هو خرِب جدًّا، مثير للشفقة، حقيقي، مؤلم في عالم لم يمنحه غير الألم، كلا، الخراب ليس هو، بل ما حوله، بل الأغشية الرقيقة حينًا والخرسانية حينًا التي أحاطت به، احتوته، سيطرت على حركاته، وحالت بينه وبين الحصول على علاقة صحية مع ما ومن حوله".

بركة يجيد ذلك فعلًا، ويطبق عمليًّا فكرته عن الخَلق القصصي والروائي الجيد، رأيته مرة يتحدث عنا وعن كم نحن استثنائيون ومميزون، وأن كل إنسان يملك ولا شك أسطورته وحكايته الخاصة المبهرة، لكن، ما كل الحكايات الذاتية تصلح لصنع الأدب العظيم، ولربما فقدت بريقها إن هي وُضعت كما هي على الورق، لكن وحده الروائي الشاطر من يستطيع الحفاظ على ذلك البريق وتغذيته من روحه وخياله وتشكيله بأدواته وأساليبه المميزة.

غير بعيد، استمعت قبل أيام إلى رأي آخر حول الذاتية، قال المحاضر إن الأدب الذي يسير على منوال "أنا وأنا، طفولتي، ذكرياتي البائسة، أنا، أنا، والكثير من الأنا" ... يعتقد خالد إسماعيل أنه أدب رديء ومُساء توجيهه، بينما تعني الذاتية الحقة والخلاقة من وجهة نظره: "أنا والمجتمع، أنا وأفكاري وتفاعلاتي مع المجتمع والمحيط بمختلف أبعاده".

أحاول ألا أشغل نفسي كثيرًا بالتفكير في ما يجب وما لا يجب عندما يتعلق الأمر بكتابة الرسائل، لدي هواجسي بشأنها، لكن آخر ما أفكر فيه هو وضعها في ميزان الإبداع أو موازين الذاتية والموضوعية. في رأيي، الرسائل أوسع أفقًا وأكثر استيعابًا لصنوف الكتابة ودرجاتها وصورها المحتملة.

هنا، أظنني بحاجة إلى تغيير الموضوع (مسموح بهذا في الرسائل في أي وقت) خاصة وأني لا أعتقد أن حديث الرسائل الطويل هذا والمرشح لأن يطول أكثر، لا أعتقد أنه ما أردتُ أن أحدثك عنه في المقام الأول، ظننت أنه سيشكل مدخلًا إلى حديث آخر رئيس. أحاول تذكره الآن.

تذكرت. كنتَ تقول شيئًا عن الناجين من الحملة العنيفة التي شننتُها على أصدقائي الافتراضيين على فيسبوك، أجبتكَ أنهم؛ الناجين محظوظون. لكن الأمر ليس كذلك. لا أدري ما الذي يرسم دوائر اهتمامي ويحدد دوائر الأمان الخاصة بي بالضبط. بعض من حذفتهم أكن لهم مشاعر طيبة بالفعل، بعضهم لم يشكلوا يومًا مصدرًا للإزعاج، بعضهم أنزعج لمجرد رؤية أسمائهم وإن لم يفعلوا شيئًا، بعضهم لا أحبهم فحسب، بعضهم لا أعرفهم، بعضهم أعرف أنهم يخلقون بداخلي أفكارًا وأحاسيس سلبية، بعضهم عشوائيون، بعضهم كانوا لدي "متشالين لوقت عوزة" وكنت لديهم كذلك، وهذا سبب حقير للاحتفاظ بأصدقاء ليسوا بأصدقاء.

قد يجرني الحديث إلى فكرة الأصدقاء أساسًا، لكن ليس هذا مقامها، ومشكلتي المزمنة بخصوص عدم القدرة أو عدم الرغبة في الحصول على أصدقاء قصيري أو طويلي الأجل، فضلًا عن علاقاتي الاجتماعية شبه المنعدمة بشكل عام، مشكلة كهذه مكان مناقشتها عند المختصين، لا في رسالة إلى صديق افتراضي هو أحد الناجين من المذبحة الأخيرة، وربما لا ينجو من أخرى تالية.

ما أريد قوله: أنا أهتم للآخرين حقًا، ولا أحد يهمني حقًّا.

يعجبني الاسم المستعار الذي اخترتُه لحسابي المحدود، لكن، وعلى الرغم من أني هناك أجرأ وأقل لطفًا، أقول إني حزينة عندما أحزن، غاضبة حينما أغضب، أحب أحبائي وأكرههم في الوقت نفسه، لا أراقب عباراتي ولا أهذبها دون داعٍ، إلا أني لا أستطيع أن أكون اثنتين في واحدة، وصنع ثالثة هي مزيج من الاثنتين معًا سيستغرق وقتًا ويتطلب تغيير كثير من العادات القديمة.

تجربة الاسم المستعار غيرت شيئًا؛ أشياء. مثلًا، استيقظتُ صباح يومٍ عازمة على نشر واحد من نصوصي الأكثر فضحًا، لكني لا أراه كذلك. الكتابة لا تفضح يا حسيني. الكتابة تعيد سرد الحقائق، تحاول تبسيطها، تركيبها، فهمها، اكتشافها أو اختراعها، تسير بها في مسارات جديدة ... أيًّا كان، المؤكد ألَّا علاقة لها بالفضائح.

أقول لأختى: انظري، فلان يكتب، وفلانة تكتب، يكتبون كل شيء ولا شيء، تقول: ليس لديهم ما يخسرونه، لكنك ستلحقين الأذى بأولئك الذين تهتمين لأمرهم. لا يقنعني منطقها تمامًا، لكني أظل محاصرة في منطقةٍ ما بينه وبين منطقي، وأنتظر لحظة إنفاذ الوصية، وأرجو ألَّا يطول انتظاري وألَّا يضيع سُدى.

* رد الحسيني: رسالة طويلة إلى لبنى

2014-08-21

تنهيدة.

تنهيدة.

لدي عقدتان بين عقد أخری كثيرة: الموت والأكبر سنًّا.

أنا أكره الموت وكل صنوف الغياب والتعفن التي تشبهه، والفقد، أن أفقد أو أُفقَد، وألا يفتقدني أحد.

أفكر: لستُ مغرمة كثيرًا بهذا الجسد، لكنني لا أحتمل فكرة أن يكون يومًا مصدرًا للبشاعة الخالصة والرائحة التي لا تطاق. لا أحتمل أن يتلمسني أحبائي باهتمام لأول مرة ويجدوني خاوية باردة. الذين أحبهم، أفحصهم باستمرار، وأعلم أني سأضيع عقلي إن ضيعتهم. كل ما أقوله لنفسي عن أن الفتی ليس لي وعن أنه لا يهتم وأني لا أهتم به إلی هذا الحد، كل ذلك يصير لا شيء، يتلاشی في لحظات ضعفي وموتاتي المصغرة، ويخيل إلي أني سأطلبه في الساعة الأخيرة لأراه وأسمعه لمرة أخيرة حقيقية، وسيلبي لأنه سيضمن أنه لن تكون ثمة مرة أخری، لن يلزم نفسه بشيء لأجلي، لن يتورط.

الحياة مرهقة، وأنا قليلة الحيلة، محدودة، صغيرة ووحيدة، لكنني لا أريد المغادرة، لا أستطيع سداد كلفتها، ولم أعتد الاقتراض أو استجداء أحد ليسد عني.

أضم حقيبتي علی الطريق السريع كل يوم، وأفكر أن أشيائي الدقيقة التي تحتويها؛ الورق، المفكرة المسجلة في ذاكرة هاتفي، البطاقات التعريفية والمصرفية، الصور، المفاتيح، مرطب الشفاه، تذاكر السينما والمسرح وحافلات النقل العام، مشابك الشعر، الأقلام التي أفلتت من أيدي أختيّ اللتين طالما تآمرتا علی أقلامي، الصدفات الباقيات من رحلة الغردقة، المخلفات التي أحتفظ بها ريثما أصل إلی البيت عوض أن أرميها في الشارع وكثيرًا ما أنسی التخلص من معظمها، الفلوس ... كل تلك الأشياء لن تعني أي شيء لأي أحد إن تصادمت مركبتان علی الطريق وتمزقتُ بينهما، لن يصرخ المسعفون ورجال الدفاع المدني: الصدفااات ... هل أنقذتم الصدفات؟

لا أستطيع تخيل النهاية، بقدر ما أستطيع تخيلها. لقد جرَّبت. آثار أبي وأمي تشهد. ثم تأتي خالة أو عمة لتزجرني: لا تكوني كذا لأن أباك وأمك لم يكونا كذلك. أنا وحدي التي تعرف كيف كانا، وكيف أنهما لم يعودا موجودين، ولولا أني موجودة لما صدقتُ أنهما كانا موجودين يومًا.

لا أحسبني انتهيت، لكنني متعبة لأكمل. ربما في رسالة أخری. كوني بخير لأجلك. واكتبي لي متی أردتِ، سأقرأ ما دمتُ هنا.

29 مايو 2014
* أرسلتها إلى أمل إدريس.

2014-08-19

يا سماح.. ما أخبار الصبر؟

الصبر ليس نزهة. الصبر ليس قرارًا بالتحمل. أنا لا أستطيع أن أتحمل المزيد.

عندما أفكر في الموت أفكر في لحظة انفجار قصوی، سأنفجر يومًا حين يعجز جسدي عن تحمل كل هذا المزيد. سيكون انفجارًا مدويًّا يعقبه صمت تام، كصمت الموت.

قبل قليل كنت أقول في نفسي: لماذا لا تكون قصة الحب كلها مكونة من كلمة واحدة؛ (حضن). لماذا لا يكون شخصان لأحدهما الآخر كبطلين في فيلم من تلك الأفلام التي تملك أبطالًا صامتين يضمون بعضهم البعض بصمت، يعتنون ببعضهم البعض بصمت، يضحكون معًا ضحكات هادئة خجولة أو صاخبة دون سبب، ويبكون معًا لأسبابٍ كثيرة يعرفونها ولا يتحدثون عنها. تلك الأفلام، تعرفينها؟ غالبًا ما يكون أحد البطلين أو كلاهما معاقًا ذهنيًّا. هل المشكلة هي أننا لم نفقد عقولنا بعد؟ فلا نستطيع أن نحصل علی أحبة يحبوننا من غير كلام ولا شروط؟

8 يوليو 2014
* مقطع من رسالة أرسلتها إلى سماح نصر.

2014-08-16

رد رسالة اللا نوم

أنا أيضًا لا أريد أن أنتظر يا إسراء، وهذا جديد.

يظلون غير مصدقين، لكنني أتغير فعلًا ومن الداخل، وتصبح الكثير من الأشياء جديدة علي، على نحو قد لا أفهمه دائمًا. وفيما يراني أخي في مرحلة الكبوة التي سأنهض بعدها، أجدني في مرحلتي، لستُ مسيطرة تمامًا لكنها مرحلة تخصني.

أتواصل مع زملائي بشكل جيد، وأنجح في إيجاد الطرق لقول ما أريد قوله، أتحدث ببساطة مع الباعة والغرباء، وأشتري الورد الذي لا أعرف اسمه، أسمِّي اللون فقط وأتبع حدسي، لا أحظر أصدقاء الفيسبوك الذين يأتون للثرثرة وإلقاء التحية، لا أفكر في الفتى الحلم كما اعتدت أن أفكر.

حلمت به الليلة الماضية، يقول شعرًا في الحلم، لا ينظر إلي، ولا يبحث عني. هل أخبره بالحلم؟ هل سيكون ذلك لائقًا؟

حتى الآن، ورغم كل البعد، ما زال الحلم غير مؤلم، وليظل كذلك، ربما علي أن أدعه لنفسه ووحدته التي اختارها وتنائيه عن الناس. هو جميل وهو بعيد، وجميل وهو أقرب قليلًا، لكن لعله لن يكون كذلك عند الاقتراب.

لعلكِ تنامين الآن أفضل.

صديق طبيب نصحني بحزمة من الفيتامينات، يقول إنها ستحسن حالتي الصحية، ويقول: "لا تتوتري"، وأنا أعتزم إكمال رحلة البحث عن مسببات ملموسة للعلة، نتائج التحاليل تخيب ظني، ولن يكون يسيرًا أن أسلِّم بأن السبب نفسي، فأنا في حال رائعة، لا أبكي كثيرًا، ولا أشتاق كثيرًا، لا يعكر صفوي إلا ذاك الفراغ، ونوبات الـ"ضمَّني" العنيفة.

لبنى
13 يونيو 2014
* ردًّا على رسالة إسراء عبد الفتاح يوسف: "الرسائل المستفزة.. رسالة اللا نوم‎"

2014-08-15

الطيب والأطيب

بالنسبة لشخص مكون من 70٪ مياه و 130٪ مفقودات، فالانشغال بالمفقود عن الموجود بديهي.

العالم الافتراضي باحتوائه علی كل هذا الزخم من الموجودات غير الحقيقية يمثل ألمًا محققًا.

هربت من معايدات آتية من أشخاص لم أتوقعهم، ومن ردود أصدقاء علی رسائل معايدة مني لم يتوقعوها، في حين أن من أريدهم في واقعي لا أثر لهم، ولا يحفلون باختفائي.

تعرف التعبير "احنا بنعامل ربنا"، في الحقيقة، سواء أكان قائلها يعنيها أم لا، فالجميع، كل واحد منهم يعامل نفسه. الفارق أن البعض يعامل نفسه بطريقة جيدة، والبعض "بيطلع عينها".

قريبتي علی وشك وضع طفلتها الثانية. هي خائفة إلی درجة الهلع، ونظرة فيما وراء ملامحها المتعبة تكشف عن البنت الصغيرة التي كانتها قبل سنوات قليلة؛ البنت التي كانت مغرمة بالأفلام الهندية، ترفض الخطَّاب العديدين طالبي ودها، وأسبابها مقنعة ومعلنة، عدا واحدًا خفيًّا، وهو أن أميرها الهندي لم يأتِ بعد. هي الآن تعرف أنه لن يأتي أبدًا، وأن عليها أن تظل أسيرة لدی الوَحش، وأن تتوقف عن مشاهدة الأفلام.

أردت بالأمس وأنا أربت كتفها أن أخبرها "البنت الجميلة ما زالت بالداخل، بكامل نضرتها" أردت أن أؤكد لها "بوسعك بالتعافي، بوسعك الفكاك" لكني عُدت لأتساءل: حقًّا؟ كيف؟ والطفلة تركل بطنها وتثبت قدميها في الأرض، بل تغوص بهما في باطن الأرض.

لو وضعتُ بحثي عن الغائبين في كفة وغياب البهجة عن قلب الجميلة في كفة، أي الكفتين تراها ترجح؟ الغائبون طبعًا. الغائبون هم كل ما يتبقی مني علی وسادتي ليلًا، أطيافهم تترك إطارات صورهم، تبسم لي وتقبِّلني. أطيافهم أطيب منهم. وعينا الجميلة أطيب. والأصدقاء الذين يتذكروننا أطيب. والعزلة أطيب.

31 يوليو 2014
* رسالة كانت موجهة إلى إبراهيم عادل.

2014-05-31

إلى فتاة الباليه

رسالة إلى أماني
رسالة عميقة إلى أماني
رسالة في المطلق سأجعلها إلى أماني لأنه عيد ميلاد أماني
خليها: رسالة إلى أماني

عزيزتي أماني

أول ما خطر ببالي، وأنا أفكر في فحوى رسالتي إليكِ هو أنني لا بد أن أخبركِ بأن كل ذلك سيزول. سأقول: كلنا كنا في الثالثة والعشرين، كلنا كنا في آخر سنة في الهندسة، كلنا كنا متأزمين وجوديًّا، كلنا كنا كبارًا وصغارًا في نفس الوقت، وحيدين وبائسين ... كلنا كنا، ولكن ذلك لا يعني شيئًا، أنتِ تكونين، تعيشين ما تعيشينه الآن، وحدكِ، كما نحن وحدنا؛ كل واحد. لا تكوني إذن آخر واحد يتخلى عنكِ. أعلم أنكِ ستظلين إلى جانبكِ، وأن كل ذلك سيزول.

لا شيء يزول تمامًا يا أماني. التشابه مرعب بين ما يرعبنا ونحن في زمن طفولتنا، مراهقتنا، شبابنا وكهولتنا. ستقولين إننا لا نعيش إلا زمنًا واحدًا كئيبًا وإنه ليس ثمة ربيع ولا حتى صيف. أنتِ محقة، وهذه في حد ذاتها واحدة من كرات الثلج التي تظل تكبر معنا. نحن واللحظة الراهنة -سواء أكانت في الماضي أو الحاضر أو المستقبل- لسنا على وفاق، ولياقتنا دائمًا مطعون فيها. أم هي لياقة اللحظة؟

لم تفهمني أسماء حين قلتُ لها -كتابةً- إن الافتراضي يعمِّق وحدتنا. طلبتْ التفسير، ولم أدرِ من أين عساي أبدأ. الإيمان مدار كل شيء يا أماني. يمكنني أن أؤمن بأن لدي مئتي صديق وصديقة، أقرأ لهم ويقرأون لي، أهنئهم بأعياد ميلادهم وينهئونني، أحمل لهم مشاعر طيبة، وأفكر فيهم في قسم كبير من يومي، وربما أهاتف بعضهم في مناسبات نادرة، وألتقي آخرين أقل في مناسبات أكثر ندرة، وربما نصنع لبعضنا البعض المفاجآت السارة، نحضر حفلات توقيع الكتب الكثيرة التي نكتبها، نهدينا الهدايا افتراضية وملموسة، وربما نطلب مقابلة أهلينا لنطلب أيدينا إذا لزم الأمر، ربما وربما. ما دمنا نملك ذلك اليقين أو الوهم اليقيني، يمكننا أن نمتلك عددًا غير نهائي من الأصدقاء. نقطتان وقوس مفتوح باتجاههما: ابتسامة: نحن راضون. نقطتان وقوس معكوس: تقطيبة: نحن حزينون. وهكذا، يمكننا التعبير دون إرهاق عضلات وجوهنا، أو تكلف الحمرة في الخد والحرارة في اليد. أنا لا أملك إيمانًا مماثلًا يا أماني، أو لنقل إنني أحاول ألا أعطي الأمور حجمًا أكبر من حجمها. هل أوفَّق دائمًا؟ ليس تمامًا. الوقوع تحت طائلة الوحدة، وانغلاق كل أبواب الأنس إلا باب الافتراضي، وتماس ذلك الافتراضي مع الواقع بدرجات متفاوتة، اجتماع هذه الثلاث قد يجر الواحد إلى السير مرغمًا في درب الأمل، لعله يصل إلى نقطة تحقق واكتفاء، أو إلى فراغ أقل اتساعًا، وبرد أدفأ. أقول لأختي: لما هحب مش هكلم اللي بحبه على الفيسبوك أبدًا، ترد: هتضطري.

مضطرةً أكتب لكِ يا أماني. لستِ قريبة في المكان فألتقيكِ لأعطيكِ قالب الكعك الصغير بالشوكولاتة، والوردة بيضاء اللون، ونسخة من هذه الرسالة مطبوعة على ورق أو منقوشة بخط يدي، ومن يعلم ماذا أيضًا، فربما أعجبني شيء في زيارة خاطفة إلى محل الهدايا، وفكرت إنه لا يليق إلا بأماني وفرحتها به. السؤال: هل لو فعلتُ وفرحتِ لكان ذلك حقيقيًّا وغير موصوم بالزيف نفسه الذي يرعاه الافتراضي؟ لا أدري. لم نلتقِ كثيرًا لأحدد. كان لقاؤنا الأطول قبل ثلاثة أشهر، شاهدنا معًا راقصي وراقصات الباليه، التقطنا الصور، تناولنا العشاء الخفيف معًا، أمسينا وأصبحنا معًا، لكنني ما زلتُ لا أستطيع التحديد.

تمنياتي لكِ بسنة جديدة حقيقية يا أماني.
كُوني.

2013-11-08

رسالة إلى اِنتَ

عزيزي اِنتَ..

فاكر لما قلتلي إنك هتفضل تكتبلي حتى لو مش هتبعتلي الرسايل؟ أكشولي باين أنا اللي هعمل كده. وده غلط. إما إننا نكتب ونوصل ونهتم فعلا، أو بلاش. أقصدها بجد: بلاش. لكن.. هسمع كلامي؟ معتقدش!

انت عارف إني عمري ما حصلت على صديق زيك؟ مريح وجميل وطيب. كل شوية باتأكد إني مش شخص تناسبه الصحبة والصداقة الحميمة. بيناسبني أكون لوحدي. أعتقد انت كمان كده. ويمكن تكون المسافة والرسائل المتباعدة، والتهنئات الرقيقة المتبادلة في الأعياد والمناسبات أليق بينا احنا الاتنين. أنا مصدقة ده. المشكلة هي مشكلة الإنسان القديمة؛ شعوره بإن نفسه هي جزء من نفسه انفصل عنها ومحتاج يرجعلها بصورة أو بأخرى، فبيتصور –ساعات- إن القرب أو محاولة القرب من حد يشبهه (صديق أو حبيب أو حتى غريب عابر) ممكن يقربه من تحقيق حلم العودة، التئام الجزء بالجزء، صورة كاملة يشوفها لما يقف قدام المراية، مش روح متاكلة ووحيدة.

عارف أنا هفرح قد إيه لما أعرف إنك بقيت وحيد بدرجة أقل؟ إنك لاقي ونس، وإنك بتعيش الرضا والاكتمال باطراد؟

الحقيقة إني بفكر كده في كل الناس اللي بحبهم ويهموني. انت، حاتم، اخواتي، الولد اللي حبيته وخطب أخيرًا بنت اسمها هدير، الولد الجميل اللي خطب البنت الجميلة اللي كنت بغير منها وبطلت لما شُفت إنه بيحبها فعلا وبتحبه ومبسوطين ببعض، محمود، الراجل الطفل اللي عنده طفلين وست بتحبه لكنه وحيد وغريب، داليا، ريهام، هدير، البنت الحلوة اللي اتحولت وأتقنت تمثيل إنها سعيدة بجوازها العجيب والمهين أحيانا (واللي بقيت كتير بفكر إنها تستاهل، لأنها استسلمت للأمر الواقع، ومعندهاش الشجاعة لتغييره)، الفتى الحلم (ولو إن ده بالذات الوحدة تليق بيه ولا يمكن تصوره بدونها)، مروة، منى، نيفين، صابرين، رنا، أحمد (ابني)، رزان، شيماء (وإن كانت مقتنعة بإنها كاملة ومش محتاجة حد)، رضوى، ورضوى تانية، ورضوى تانية، حنان، سارة، حسام، مها، غادة، بلال، أمل، مدحت (الأوفيس بوي بتاع الشغل القديم، تقريبا ده أكتر حد بيوحشني من المكتب كله)، تيتة (اللي بتخوفني وتتعبني نفسيا)، إيمان، أماني، عادل، خالتي صفية، الحاج عصام، بابا وماما وهمّ بعيد أوي كده، أماني تانية، غادة تانية، إيمان، أنس، محمد اللي اتقدملي ورفضته لأسباب لا تتعلق بيه، زينب، آية، إسراء، نهى، نهى، ولبنى.

شعور الافتقاد بيضايقني فعلا، بكرهه فعلا، نفسي أتخلص منه فعلا. والأسطورة بتقول إنه مش بيزول، حتى لو الأسطورة المضادة بتقول: "وعاشوا سعداء إلى الأبد... مع بعض". إنه فين تلاقي هذا الـ(بعض) ولو لقيته ازاي تلاقي (مع) تشبك البعض مع البعض، من غير أذى ولا خوف ولا اضطرار ولا حزن ولا غضب ولا وحدة ولا عجز ولا افتعال ولا ابتذال؟ ازاي؟!

ازاي تقدر تقول للناس اللي بتحبهم إنك بتحبهم. ازاي تحضنهم. ازاي تكون موجود ويكونوا. ازاي تقاوم عقدك، والعقد اللي مش بتخصك لكن المجتمع المريض أصر على تحميلك بيها. احنا مجموعة عقد، معظمها منعرفش اتخلق امتى ولا ازاي ولا اتعقد أوي كده ليه.

ليه مش بعرف أبعتلك أو أكلمك كل ما توحشني؟ ليه مش بقولك ببساطة إني عايزة أشوفك؟ بخاف أخترق خصوصيتك وغلافك اللي يبدو إنك بتتحصن بيه من كل حد، لكن ليه مش بفترض إنك عايز حد يمزق الغلاف ده من وقت للتاني؟ ليه بفترض إنك ممكن تتضايق مني، أو تظن فيَّ الظنون؟

طيب أنا بحبك يا صديقي الطيب، يا أخويا التاني، والمصدر من مصادر الشعر والبهجة. امتى هشوفك بقى؟

هامش:
حاتم قبل العيد بأسبوع كده، طلع في دماغه يسافر إسكندرية لوحده يومين، وحصل. بكلمه في مرة وبقوله: "نحبكم على فكرة"، رد: "أوكي.. ماشي" وقفل :D لما رجع فكرته بيها، قلتله إني كنت بفكر أنشر القصة على الفيسبوك وتبقى فضيحة، ضحك وقالي إنه مخدش باله وإنه بيحبنا هو كمان.


لبنى
1 نوفمبر 2013

2013-10-09

رسالة أطول قليلًا إلى سو

عزيزتي سو

التنفسُ يصبحُ مستحيلًا أكثرَ فأكثر.

أنظرُ إلى الرفيقةِ الرقيقة،
أرى كم تبذلُ من جهدٍ للتنفس،
وأنا في غرقي العميق،
أتمنى أن أتمكنَ من الاقترابِ من السطحِ قليلًا،
أن أكونَ حيثُ أكون،
ألا أبعُدَ بُعدي،
وألا أنكفئَ فيَّ ودياجيري.

التنفسُ يصبحُ مستحيلًا أكثرَ فأكثر.

أقولُ للرفيقةِ النادية:
هي ذي أقواسي مفتَّحة.
لا أملكُ التراجعَ دقَّةً إلى الوراء.
لو رجعتُ لفتنني الفتى الحلم،
ولو كان حقيقيًّا، وكنتُ وهميَّةً.
لو رجعتُ لتخلَّى ولتخلَّيت.
لقالَ وصَمَتّ، لصَمَتَ وصَرَخْت.
لعرفتُ السبيلَ واحدة،
والغايةَ واحدة.
ضاغطةً على الروحِ،
ستُغلقُ القوس.

التنفسُ يصبحُ مستحيلًا أكثرَ فأكثر.

وأنا لا أساعدُني.

رسالة قصيرة إلى سو

لقد وُزِّعَ دمي بين القبائل، وأنا كان يرضيني قاتلٌ واحد.

2013-10-05

نسيم الطير



هناك أبعد من قرص الشمس المولود، هناك أمنيتي تحترق لتتطاير شظايا. هل تعلمين بأن الروح يا لبنى تحلق مثل هاذيه الطيور؟ لا أدري هل لحالة التشتت هذه من توقف عن النمو!! رغم سأمي ومللي إلا أني أقاوم هذه الخلايا السرطانية الصديقة بشيء من الابتسامة، وبالكثير من التفاؤل! فهذه الثورات تستحق نصيبها من الراحة فقد تعبت!
هذه الطيور هي الحياة بكل ما فيها! وبما فيها نحن.
الطيور واضطراب أجنحتها في الهواء هي الخفقان في أبداننا الفانية. خفقان الطير حر، ولا يضيره أن تلقي به الخفقة العظيمة إلى عمق السماء وحواف الوجود، بينما نحن مقيدون، يخفق الواحد ليظل يرتطم بنفسه وجُدُره الداخلية. أنا مثلًا ورغم ضآلتي لا أستوعب نفسي، أشعر وكأني كتلة ضخمة الحجم، ثقيلة، من مادة أجهلها. الطير لا يرهق عقله كثيرًا في التعرف إلى نفسه، لكننا نفعل، أنا أفعل، ووجود الأصدقاء الشفافين (المرايا) بالجوار يهوِّن الأمر. لذلك ولأسباب أخرى كثيرة، أمتن لوجودك، وإن بعدت المسافات، وإن كان التواصل رسمًا لا روح فيه لذاته، لكن لوجود روحين على طرفيه. تسلم روحك يا صديقة.

2013-09-21

عن التخلي مقصودًا وغير مقصود

العزيزة آية..

لعلي أبدأ بمكاشفتكِ بأحد أسرار اللعبة. أكون مُعبَّأة عن آخري، لكن بما لا يكفي للانسكاب. ليس الانسكاب الملائم لرسالة قابلة للكتابة/ للقراءة. غالبًا ما أكون على الحافة عندما أتلقى رسالتك، أو رسائل أصدقائي الطيبين. يكونون طيبين ما لم يقتربوا كثيرًا -تعلمين هذه. لكني أؤجل رسائلي إليهم إلى آجالٍ لا أسميها ولا أملك تسميها.

ويحدث أن يباغتني شيطان التجرد، فأفتش سريعًا في رسائل أصدقائي الطيبين البعيدين، أبحث عن رسالة يتناسق عُريها مع عُري رسالتي المزمعة. أو الاكتساء. نحن مردومون تحت طبقاتٍ وطبقاتٍ من الأسمنت وثاني أكيد الكربون على أي حال.

ما غطيته في رسالتي إلى عزيز -مثلًا- لم أكن لأرتديه في رسالة إليكِ أو إلى عدنان. ما تحدثتُ عنه ما كان ليفهمه سوى عزيز. عزيز ليس له وجود، وهذا ما يجعله الأكثر مناسبة قطعًا.

البكاء يا آية. أهو قرين قوة أم ضعف؟ أظنني سمعت الولد في الفيلم يقول: الضعفاء يتحولون إما إلى عدائيين أو إلى سلبيين. أظنني أجبتُ أختي عن سبب بكائي: قتلَتْهم. وأسررت: لكني لا أستطيع أن أقتلهم. لا أريد.

أتعرفين ماذا كانت جريمتهم يا آية؟! لقد تخلوا عنها. قال واحدهم بعد الآخر: سأذهب، لكنكِ غير مسموح لكِ بأن تأتي معي. سأذهب، وستظلين وحيدة. ستقتلينني، وسأظل أطاردكِ كما لو كنتُ أنا قاتلكِ. ستموتين خوفًا ووحشةً، لكنكِ ستتناولين ذات الحجر، تهبطين به على رأس أول من يخبركِ بعدي بأن لا مكان لكِ إلى جواره في الحافلة المنطلقة بعد قليل. سأرحل الرحيل الأخير، لكنه سيكون رحيلكِ الأول دائمًا، وستتجرعين في كل مرة المرارة الأولى.

لعلكِ لاحظتِ أن الحظَّ حالفني هذه المرة، فلم اضطر لتزجية رسالتي إلى عزيز أو إلى أحمد-إكس أو إلى أي غريب آخر. كنتِ تتحدثين في رسالتك الأخيرة عن التخلي، فوافق حديثكِ جنون كيتي التي ذهب بعقلها التخلي.

سألتِني أن أحدثكِ عن الأشياء التي لا نملكها وتملكنا. أنا لا أملك التخلي عنهم يا آية، وإن لم يفهموا ما أعنيه.

ربما كان فتى الحلم أيضًا لا يملك الخروج من وهمه. ربما لن يهتدي إلى راحته أبدًا، ولن يتوقف عن تدخين القصائد، وإطفاء أعقاب الكتب المحترقة في قلبه ورئتيه. ربما تصيبه رصاصة انعدام الأمن، فينضج جرحه، ويُكشف عنه الغطاء، فلا يعود يرى شيئًا. ستكون تلك حجة جيدة عند المساءلة: لماذا تنظر ولا ترى؟

أنا أيضًا أنظر ولا أرى. أستطيع أن أتفهَّم إذن. وأستطيع أن أتبادل وإياي نوبتيْ حراسة ذاكرة التخلي، وأخبرهم: أنا حقًّا بخير. لكن البوابات ليست. لن يدخل أحد، ولن يخرج أحد. سأقتلع المداخل والمخارج، وأخرجني قبل أن يخرجوا. ولن أقتلهم.

2013-09-15

رسالة إلى عزيز

 عزيزي عزيز..

لعلك افتقدتَ رسائلي، أنا فعلت. أو لعله مفهومك للرسائل هو المجروح. دعني أقرِّب لك الأمر حكايةً. الأحلام المزعجة -تلك التي من الشيطان أو ما يقوم مقامه- الأحلام التي تناوبتني ليلة الأمس، كانت ضمن السياق، ولم تشذَّ عن شتَّى منتهِباتي. يُفزعني أن أسبوعًا جديدًا يبدأ؛ مفتتح جولات جديدة في خلية النحل، غير أنه لا عسل، أو ربما هو أقل من أن يُحلِّي.

تعرف أنه كلما كان المرض مميتًا، كلما كانت الأعراض عديدة مديدة، كامتداد الحياة، والحياة لا تمتد إلا بامتداد نقصٍ ما كما تعلم، حتى وإن كانت ثمة زيادة. ما بات جليًّا هو أن الأعراض لا تظهر دفعة واحدة؛ أتبيَّن واحدها بعد آخر، يُطبق معظمها على عنقي. أنا غبية؛ أعترف، لكنني ذكية كفاية لأعلم أنني سأموت مقتولة؛ منحورة، وسيجدون أداة النحر داخلي. لن تكون حادَّة، بل ستكون متعددة الأطراف، كقبضة يد مدببة الأصابع، مكهَّفة البواطن، ستكون كعظمة من عظامي تنقلب عليّ. هي في طور ما قبل الانقلاب التامِّ على كلِّ حال، وأنا أختنقُ الهُوَينى.

يقولون: الإنسان عدوُّ نفسه. لكن، لا يبدو ذلك كافيًا، العالم لا يكفيه أن أحترق من الداخل، لا يطيق الانتظار، لا بدَّ من أن يكون له في ذلك سهم. هي أسهم كثيرة للدقة. داليا تعرف، وفرناندو، وربما صديقي أيضًا؛ ذلك الذي يكافح الغرق منذ ربع قرن، وبالكاد استنقذ أذنه؛ إحدى أذنيه، فيسمع.

لكلِّ حاسَّة عتبة؛ حواسي كما خبرتها لها عتبة تنهار عليها. لا يمكنني أن أظل أحملق في هذه الشاشة المسكونة ليل نهار، لا أحتمل صراخهم المتواصل عند شروق الشمس وغروبها، ولا ... لا، لا يمكنني أن أقول مثل ما أريد قوله عن صوت الولد الجميل، لم أملَّه قطّ، ولا أراني أفعل يومًا، حتى وإن تحوَّل كلُّ هذا الشغف -وأوقن أنه سيتحوَّل- إلى اشمئزاز مبالغ فيه، حدَّ أن تصبح كلُّ طلَّة من طلَّاته كطلب صداقة جديد على موقع اللا تواصل الاجتماعي (فيسبوك) أختلج بدايةً لمرأى الشارة الحمراء المنبِّهة إليه، أتفقده باهتمام سريع الزوال، أتمتم: غريب آخر؟ أأرجح مؤشِّر الفأرة، أنحِّيه جانبًا، وأمحوه بعد قليل.

ماذا تُراه يحدث بعد قليل يا عزيز؟ السيدة راء باقية تتساءل عمَّا سيحدث لحلمٍ تأجَّل، والحلمُ باقٍ على حاله يتأجَّل. ماذا إذن؟! أفكاري المتوحِّشة تؤجِّل التهامي، هل يعني هذا أنها لن تأتي على كلِّي يومًا؟ أعني بعد أن يدقَّ عنقي عنقي! أو ربما قبل ذلك بزمن.

لعلَّك تترقَّب الآن عبارتي المعهودة؛ "أنا خائفة". للحق، الوصف لم يعد يدلُّ يا عزيز، وأنا لستُ خائفة، ليس من الحصافة أن يخاف أحدٌ من مخيف متكرر ليس في نمط تكراره إبداع. الأزمان السوداء تعيد نفسها، كما يعيد الماءَ إلى المحيط المطر، غير أن الزمن يلعب بالنار والرمد.

أشياء حقيرة ربما تكون قادرة على تحسين مزاجي قليلًا. والبنت الصغيرة داخلي لا ترى بأسًا في التمتع بقليل من المزاج المحسَّن لقليل من الوقت، قبل يوم النحر بالطبع. لكن العالم الأكثر حقارة لا يسمح لي، وأنا -مشغولةً بمعركتي الداخلية- لا أجادله، ليس عن ضعف مني -وإن كنت ضعيفة- ولكن لأني أمارس وأشيائي لُعبة التعالي، وهذا لعمري ليس من الفطنة في شيء. في الواقع يا عزيزي، أنا أصغر من أشيائي الصغيرة، ولا أسعى سوى إلى سلام يجمعنا، قبلما نرحل جميعًا.

على صعيد الرفقة، هل ترحل معنا يا عزيز؟ سأدخر لك نصيبًا من ضحكة رائقة لم يفترَّ عنها ثغر. أعدك؛ سيكون المنفى أقلَّ ضراوةً من الوطن، ولن يكون الوجود محيِّرًا حدَّ أن تأكلَ نفسك ليَشبعَ السرخسُ الطافي، ويأمنَ الربُّ ثورة العبيد.

هل تأتي يا عزيز؟

2013-07-21

ميرا وأنا


عزيزي..
هل أخبرتكَ أني أكتب في دفتري الأبيض الآن!!
أني أود أن أسترسل في الحكي إلى مالا نهاية ... هل كان يجب أن أحيا كل تلك السنين وأن أمر بهذا الطريق حتى أصل إلى هذه النقطة.
لو أنك تتساءل أي نقطة أقصد... تلك النقطة التي حينما تعبرها تشعر أنك عبرت حدًّا فاصلًا.. أنا تغمرني السكينة ولا أدري من أين تأتي؟ ولماذا؟!

أنا أراني الآن تلك المرأة التي تجلس في شرفة منزلها تحيك الكروشيه وكأنها خارج الزمن، لم يعد يعنيني الكثير وأفتقد داخلي الكثير... لقد اشتعل القلب شيبًا... لقد هرم، هذا كل شيء.

ذهبت لرؤية تلك المرآة التي تحدثوا عنها كثيرًا؛ قالوا مستبصرة.. تخبرك عنك أكثر مما تعرف، ستفسر أحلامك وأشياء كثيرة... كثيرة. كان الطريق لها شاقًا في مكان ناء على ضفة النيل، تحت شجرة معمرة كعمر الزمان اتخذت متكأها. جلست في حضرتها التي أخذتني أول ما جلست. مدَّت إليَّ يدها لتتحسس كفي، وخزتني لمستها الغريبة واقشعر جسدي ويدها المعروقة الجافة تستكشف خطوطه.. صمتت... ثم تنهدت وقالت:
أيا صغيرة توقفي عن إطعام قلبك للغرباء، فالقلب هو زاد رحلتنا، لو فرغ القلب فكيف ستكملين؟ عابرو السبيل يأخذون ولا يعطون. يا صغيرة.. ستؤلمك أحلامك جدًا جدًا.. ستعيد إحياء الماضي وستخبرك عمن عادوا. كل الغرباء سجناء أحلامك... أطلقي سراحهم. الحلم ليس أرض الألم... الحلم ليس أرض الألم.

أيها الغريب..
لقد قابلت أحدهم... استوقفني فرحًا مهللًا أخبرته أنه غير اتجاه سيره وغير الطريق خلفي عدوًا... ابتسمت ابتسامة باهتة... تعمدت ألا أشاركه أي تفاصيل عني. تحدث بلا توقف، في عينيه تلك اللمعة الممزوجة بالحنين. حكى.. وشكا.. وتأفف.. وعاتب.. ولام.. واستمعت بلا رد فعل، وسألني بغتة: سعيدة أنتِ؟
هنا اتسعت ابتسامتي وأجبت: بالتأكيد سعيدة.
سألني مشككًا: من أين تأتيكِ تلك الثقة؟
لأنك تعلم أن سعادتي ليست بيد أحد، أني قادرة على إسعاد نفسي ومن حولي، لهفتك ولمعة عينيك وشوقك الكاذب يخبرونني بذلك... وداعًا يا أنت...

قلتُ لنفسي: لقد توقفتُ عن إطعام قلبي للغرباء ... ومضيت.
ميرا شعبان 
13 يوليو 2013

الشوق الكاذب، البوح الكاذب، الكذب الكاذب.

قلتِ إنك تكتبين لي رسالة يا ميرا، وفعلتِ، وكان خطابكِ فيها للغريب، وأنا غريبة. أنتِ توقفتِ عن إطعام قلبكِ للغرباء، وأنا لا أجيد طبخ قلبي، لكنه مأكول، وإن لم تمتد إليه يد، وأنَّى لها أن تمتد.

العرافة العجوز فاحمة الشعر التي قصدتُها أول مرة؛ لم تتكلم، ربما لأنها لا تعرف حقًّا، لكنها تعرف أن "كل البنات عندهن نفس المشكلة، أنتِ طبيعية"، جديَّة الأسود الذي تلتحفه، والأسود في دمي، كانت بعيدة كل البعد عن إيهامي، ونبوءتها عن الولد الحُلو لم تكن لتتحقق، لن تتحقق.

المشكلة أن الولد الحُلو –وُجد أو لم يوجد- ليس المشكلة، صورة زفاف والديَّ داخل بروازها الضخم فوق خزانة ملابسي ليست المشكلة، الرجل الصيني الذي كان يقطِّع رجالًا صينيين عديدين في حلم الليلة الماضية وهم يصرخون بهيستيرية لا تتناسب مع كونهم يقطَّعون إلى قطع متفاوتة الـ ... الدمويَّة ليست المشكلة، أخي ينصح: لا تتخذي قرارات مصيرية حال عدم اتزانك ... ليست مشكلة، لا أجد تعريفًا دقيقًا للقرار المصيري والاتزان ... ليست مشكلة، ربهم تخلى عني ... ليست مشكلة، أنا أتخلى عنهم وعن شبح فرحتي المحتملة معهم ... ليست مشكلة.

المشكلة أن العرافة الأخرى رائقة الوجه قصيرة الشعر تطالبني بتوفير "واحد نقطة ارتكاز"، تزعم أنني سأضيع، بالأحرى هي تراني ضائعة، تراني ثائرة لا تثور، حاجَّة لا تحج، مفتونة تقف على عتبات الفتنة، متورطة لا تتورط. تتمعن في لا انفعالية انفعالاتي، تسأل: تحبينكِ؟ أجزم أن نعم، فتقول هازئة: أرى دليل الحب.

العرافات ضالات يا ميرا، والغريبات والغرباء أضل سبيلا، اسلكي نفسكِ وإن لم تصلي... هكذا أفعل.

لبنى أحمد نور
19 يوليو 2013

2013-07-14

حكاية الرسائل


بعض الأسئلة لا نعرف إجاباتها حتى نُسأل عنها، وهكذا كان الحال هناك.

ربما الآن أستطيع القول إن الرسائل هي من حببت الكتابة إليَّ وكرَّهتها. الرسائل حرية وقيد، بوح وكتمان، صلة وقطع، قرار ولا قرار، نفسي وشبيهتها والنقيضة.

أول من راسلته على قُربه كان أبي، كان عطوفًا وهادئًا، متفهِّمًا ومتفاهمًا، لكن، لدينا صفة وراثية مشتركة تجعل الكلام مشافهة عسيرًا عندما يتعلق الأمر بالمشاعر والأحاديث الدرامية، فكنتُ أدَّخرها وأكتبها له في بضع ورقات، أجتهد لأحسِّن خطي، وأستخدم ما تعلمته حتى ذلك الحين من أساليب البيان، أراجع ما كتبت، وربما شققت ورقة تلو ورقة حتى أصل إلى النتيجة المرجوَّة، ثم أضع الرسالة في مكان قريب من يديه وعينيه، ثمَّ أغوص في فراشي. يأتي ويقرأ الرسالة، نمسي ونصبح، ولا نتحدث بشيء من أمر المكتوب إلا إلماحًا ممهورًا بابتسامة رضى وحيرة.

لا أدري أيهما يحزنني أكثر، عجزي عن إرساله المزيد من الرسائل، أم فقدي لتلك التي أرسلتها له في السابق. جميعها احترقت، وهذا محزن حقًا.

لم أكف عن إرسال الرسائل التي لا تصل، وظلَّت الحال كذلك حتى حدث شيء ما في أوائل العام 2011، طُلب إليَّ أن أكتبها فأبيت، ربما كنتُ قد اكتفيتُ من البعد الذي تمثله الرسائل وتوجبه، فأعرضتُ عنها وعن صاحب الطلب، إلى أن أعرضَ فعدتُ أرسل إليه، ولا أتلقى جوابًا.

إلى هنا، كانت الرسائل تقليدًا موحشًا وكئيبًا، وإن كنتُ قد حظيت ببعض المراسلات الماتعة في بعض الأوقات، حتى شرعت في أكتوبر 2012 أكتشف عالمًا جديدًا من الرسائل، دخلته من باب عجزي وانغلاقي على الوهم.

رسائل لبنى.. عندما جلست وحيدة على الكورنيش بعد عصر ذلك اليوم، أتنفس ما وسعني التنفس، وأجر قلمي على المساحات البيضاء القليلة المتبقية في الورق المستهلك الذي كان بحوزتي آنذاك، أكتب ما زعمت أنه رسالة إلى الفتى الحلم* أو من يشبهه، رسالة لم تفك عني قيودي، وإنما حصرتني داخل الدائرة المغلقة ذاتها؛ الحلم ولا شيء أكثر. ربما نظرتُ عندها إلى الأفق بأسًى وقد غابت الشمس، وعلمت أنني لن أرسلها إليه -ولو تحت اسم مستعار، وقررتُ أن أرسلها إلى الجميع بدلًا منه.

عدتُ إلى البيت، ونشرت الحالة الشهيرة، وفجأة أصبحت الرسالة التي "إلى لا أحد" رسالة إلى العشرات، وتوالت عليَّ عشرات الردود الدافئة والحقيقية "حقيقية أكثر من الفتى الوهم"، الصديقات والأصدقاء أبهجوني وامتلأت بهم شغفًا وشجنًا، وسرعان ما لمعت فكرة أن أنشر رسائلهم دفعة واحدة، حرَّضني على ذلك شيء قالته جهاد نجيب وآخرون، فشاورت إحدى أختيَّ في الأمر، وأطلقت العنوان "رسائل لبنى" على سبيل التهكم في البداية، ثمَّ نفذت ما انتويته سريعًا، وتفجَّرت الرسائل.

تكررت تجربة الرسائل الجماعية بطرق مختلفة، فكانت رسائل الغرباء، والرسائل الحرة، ورسائل الاعتراف. فضلًا عن تلك التي تبادلتها مع بعضهم ونشرتها على مدونتي الرئيسية أو أسررتها في صناديقنا البريدية، وبالطبع لم تتوقف الرسائل ذات الاتجاه الواحد، وإنما قلَّت وطأتها، ولعل أطرفها هي تلك التي أرسلتُها إلى الشاعر أحمد بخيت في عيد ميلاده، تلقَّاها بالفعل، لكنه -على الأرجح- ظنني مجنونة أو مخرِّفة فلم يعِرها اهتمامًا.