2014-02-02

كصبحٍ أوَّل

عُدتَ إلى الحُلم.
مرحبًا.
تصيرُ حقيقيًّا يومًا بعد يوم
وأُجنُّ أكثر.

أنتَ أوَّليٌّ بأكثرِ الطرقِ إثارةً للتفطُّر
تجمعُ بين أقصى العنصريةِ وأقصى التركيب
مُتوقعٌ جدًّا وغيرُ مُتوقعٍ ... جدًّا
مثيرٌ لكلِّ الحواسِ وللا حسّ
أليفٌ وبريٌّ
جارٍ وراكد
صوتُكَ، هيئتُكَ، مفازاتُك:
ماءٌ وهواءٌ وترابٌ ونارٌ وصخرٌ ... كلُّها
وكلُّها في أنقى صورِها
مع أثرٍ ناعمٍ لأدواتِ التشكيل
منحوتةً طبيعيةً أوليةً مهذبة
تغري الرائي والسائر بمحاذاتها بالانصهارِ حينًا
التسامي حينًا
تحيُّنًا لاندماجٍ محتملٍ/ غيرِ محتملٍ
اندماجِ بعضِ عنصرٍ ببعضِ عنصر
المضيِّ صُحبةَ هدوئِكَ وهدايتِك
تحلُّلٌ ... وائتناس

تؤنسُني فكرتُكَ
تُصيبني بالصداع
وضيقٍ في التنفس.

2014-01-20

عينان

البنت في الفيلم كانت تفقد بصرها بالتدريج، تتخذ مقعدها في صالة العرض، وصاحبتها إلى جوارها، تصف لها الحركات والرقصات، تستخدم أصابعها لتصنع عرائس تحاكي قفزات فتيات الباليه لكن لا على خشبة المسرح بل على باطن كف البنت التي تتضاءل قدرتها على الرؤية وتتعاظم رؤاها.
كنتُ البنت التي تتخذ مقعدها في صالة العرض، تتابع بعينيها البنت التي تفقد عينيها، وفجأة، أظلم كلُّ شيء، وكان صرير المقاعد والجدران التي تُرفع حولي صامًّا لأذني، ثمَّ لم أعد أسمع أي شيء. لم أحرِّك ساكنًا للحظة، غير أن انسحاب المقعد من تحتي أرغمني على النهوض. وقفت مكاني هنيهة. لم يداخلني خوف.
رُحتُ أدور حول نفسي دوراتٍ تامةً؛ ثلاث دورات، وما إن شرعت أطوِّح ذراعيَّ في الهواء منتشيةً من أثر إيقاعي الداخلي الذي يقود خطواتي، حتى انطلق صوتٌ من بعيد، كأنه غناء كروان، يأتي من لا مكان. واصلت رقصتي، واصل شدوه، وفقاعة من عطر تحتويني، لا تكسرها تكسراتي، أتمدد فيها، ويتلاشى الزمن.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

قرار

أعتقد أن كلمتها ستظل دستورًا لي لأعمارٍ قادمة. "أنتِ لم تقرري بعد"، قالت ريهام، فعرفت كيف أعرف أواني وكيف أستفز ساعتي حتى تحين.
ما يبدو وكأنه معاندة لنداء الكتابة وامتلاء البال بما يُكتب، ما هو إلا انتظار للحظة الذروة التي يكون عندها إما الآن وإما أنتهي. وما يبدو وكأنه تهرُّبٌ من المواجهة، ما هو إلا اختبار لدرجة الظمأ: إما وجهه وإما التراب.
لم أقرر بعد شيئًا بشأن الذي يسكن السماء، ولا أتعجل. كما لا أبحث عن وسادة لا تبتل، ولا قريب من الروح يقترب من البدن، ولا معدل حرقٍ يرضي الميزان. لا أكلفني التبرير والتفسير، ولا ألومني على خوفي المرضي من فقدي إياهم أو فقدهم إياي. أقول لأختي: نحن لسنا نحن في جميع مراحلنا، لكننا نكون لبعضنا البعض في بعض تلك المراحل، نحاول أن نظل، نحاول أن نذهب إلى المدى الأبعد، لكننا نعرف أن لكل أفق انقطاع، وأن الرحيل يحدث، أردناه أم لم نرِد. أدرك، لكنني لم أقرر بعد أن أحتمل البعد والافتراقات، سأعرف حينما أفعل.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

رسالتين

عزيزتي العبيطة.. 
السنة الجاية زي دلوقتي هتكوني بتكتبي رسالة لنفسك عن السنة الـ18 ليكي في الحياة، هتكتبيها بأسلوب منمق جدًا، ومفعم بالنضج والحكمة ... But guess what?! انتي لسة عيلة، وده اللي عاجبني فيكي، خليكي زي ما انتي أو أصغر شوية، أقولك، انتي محتاجة تكوني أصغر كتير، ده مش عيب. مش هتعدي عليكي 10 سنين إلا وهتكوني مش عارفاكي. فيعني خدي وقتك، واعرفي. ومتزعليش. اللي جاي يزعل أكتر :)
...


عزيزتي العبيطة (قصدي اللي لسة عبيطة).. 
ازيك؟ (قصدي ازيي؟) أقولك! مش مهتمة أعرف. ممكن أتوقع إنك بقيتي أصغر على صعيد ما، أكثر عجزًا على صعد أخرى متعددة. بس عادي يعني. أنا وانتي بطلنا نندهش من زمان، وعلى الأرجح انتي كمان مش فاكرة امتى ابتدا الزمان. إنما صحيح، قوليلي ... انتي لسة بتخافي؟ لسة بتبعدي؟

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

زخة

عابرو شارعِ الورد
تحملُ يمينُ كلٍّ منهم مظلةً من تفاح
والموتُ مظلتهم الكبرى
لا ينظرون إلى فوق
بل ...
إلى خمشاتِ الحلمِ للأرصفة
الحقيقةِ للخيال
يصيخونَ السمعَ لتداخلِ صورِهم
ولا يرى واحدُهم صدى نفسِه

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

أمل

يرسخُ لديَّ اعتقاد بأن أيَّ كتابة عن أحدٍ ما سيئة ما دمت تستطيع أن تكتب إليه، وأيَّ كتابة إلى أحدٍ ما سيئة ما دمت تستطيع أن تشافهه، وهكذا إن كنت تستطيع أن تصمت بصحبته، أو أن تذهب بعيدًا قريبًا إلى حدِّ أن تنخرط معه في اللا فعل بنشاط وافر.

لا أدري إذا ما كنت سأستريح لوجودها في المكان، لنبرة صوتها، انفعالاتها العفوية، وتطلعاتها، التغير الذي سيحدثه دخولها في مجالي. لا أدري إذا ما كنت سأبسم مليًّا لكلماتها وهي تنسرب بهدوء من بين ... أعني من أعماقها الشاعرة. أصلًا، ما احتمالات أن تقابل الصدق يتهادى على قدمين، ويفيض؟

لم أخبركِ بأنني شغوفة باختبار الاحتمالات يا أمل. ليس وكأني شاطرة في حسابها رياضيًّا، ولكني أعرف متى تتسع عينيَّ لمرأى عنصرٍ بدا قبلًا غير محتمل. مثلًا، الصدفات التي جمعتها واحدةً واحدةً بينما تنغمر ساقيَّ في الماء على شاطئ الجزيرة، لم تكن إحداها لتكاد تستقر في راحة يدي حتى أكون قد خمَّنت قرينها أو قرينتها من الأرواح التي أعرف، وإن لم أعرف أسماء أصحابها. عرفتُ فيها أحمد وريهام وحاتم وربما إيثار، وخفيت عني بقية الوجوه. في آخر النهار كنت أحملهم جميعًا، وودت أن أريه المجموعة كاملة قبل غيره وأطلب منه تخمين نفسه، لأرى إن كانت صورته فيه ستوافق صورته فيّ. هل ستفعل؟ ربما.

ربما تظلين تكتبين لي، تحكين حكاياتك العذبة الملهمة، الشفافة الشافية، المضيئة رغم عتمة الوسط الذي تنتقل فيه، الصباحية الصابحة مهما داخلني الليل أو داخلكِ، أو اختلف التقويم. هو حكيٌ كقصائدك، نقرٌ كنقر طائرٍ خفيفٍ لسطح ماءٍ صافٍ، كأغاني الأمهات يهززن المهد برفقٍ في ليلةٍ شتائية، كابتداء المطر، وتوقف فجائي عن الكلام بعد استرسال، وانطلاق بعد أسر، وكشعري يطيُّره الهواء.

سألتِني كيف أشعر، سألتِني أن أكتب كيف أشعر، لكني لا أميُّز بعد. أخبر القريبين بأني لا أراني، لم أرني حين خفضتُ وزني أول مرة، وكنتُ أعجب من انعكاسي على أبواب قطار الأنفاق: من هذه الأنحف؟ بالمثل لا أرى البنت داكنة الشعر التي لا تفتقد ملمس القِماش على رأسها، رأسها ما يزال مغطًى، لكنهم لا يرون الغطاء، لا يرون إلا الخصلات المتطايرة بعشوائية تتناغم مع عشوائية ريح الشتاء في الخارج، ومزاجيتي في الداخل. كلُّ شيء يحدث في الداخل يا أمل، أو لا يحدث، أما الخارج وأناسيه، أفكارهم المسبقة، أحكامهم، استغراباتهم، قدرتهم العالية على عدم التفهم، كلُّ ذلك لا يهمني، مهما حاولت أن أهتم.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

في انتظار الرِّدة

"أدمعتِ عيني" ...
"لماذا فعلتِ ما فعلتِ؟" ...
"لم تكوني تعيسة جدًّا ولن تكوني سعيدة الآن" ...
"أنتِ عيب" ...
"تزعزعتِ؟" ...
"أنا أعرفكِ، رُغم التنكر الذي" ...
"لم أكن أعرفِ أنكِ صارخة إلى حدِّ" ...
"حرام يا" ...

هذا ما قالوه وقلنه، هل حسبتِه لن يقال؟ أما أنا فأقولُ إني حزين. تعرفين كما أعرف أننا صنوان، لم نكن قطُّ كأخٍ وأختٍ ولا كصديقين، نحن ألصق، كنا. لكني -وبينما أراكِ تصغرين- لا أستطيع أن أوبِّخكِ كثيرًا، فأنتِ كبيرة الآن، لطالما كنتِ أكبر.

لا، لا تحاولي. أسبابكِ تافهة، ورؤاكِ سطحية للغاية. الواحد لا يهدم جدارًا من أربع لأن صدره أضيق من النافذة، ولا يكسر المفتاح لأن الباب مفتوح أقلَّ قليلًا مما يلزم للمرور.

لا أفهم شيئًا مما تقولين، أعني: لم أعد أفهم. وأنتِ لا تفعلين شيئًا لتغيري ذلك. أسألك: ألن تتراجعي؟ تجيبين لا مبالية: ستكون تلك رِدة.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

ومش راضية الطيارة تطير

صباح الخير، أنا اسمي رضوى. أول مرة أكون هنا، النوع ده من الأول مرة اللي بيكون شبه المرة اللي متتعدش. تكونش دي الألفة غير المتوقعة؟ لأ، أنا متوقعة، لكن الألفة لأ، بتزول، وكل ما بيتصاعد شغفي بمكان أو بشيء ما، بيتطفي شوية شوية لغاية ما يرجع بيا لزاوية الغربة تاني. عارفة إني مش أول مرة أكون هنا، لكني ضيعت الوقت، والقلب.

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة

وبعد

راحَ الصغارُ وضِحكاتُ النسيم
وجاءتْ الأمُّ
دائمًا ما تجيءُ الأمُّ
من حيثُ يصبُّ النهرُ في المحيط
المحيطُ في عينِ الشمس
الفانيةُ في الأبدية
والأبديةُ أمٌّ تفقِدُ صغارَها لتستعيدَهم
الأمُّ استعاداتٌ تتكرر
وابتساماتٌ ظِليَّة
شفقٌ
إشفاقٌ
اشتقاقٌ
شَقٌ كـ التئامٍ
كأصلٍ وعودة
يعودُ الأولادُ الصغارُ
ولا يكونُ بعدَ العودةِ شيء

لبنى أحمد نور
20 يناير 2014
ماراثون الكتابة