2014-09-25

لا أصنعُ المحبةَ بالكلمات

يا عزيز!
أنتَ جزءٌ من حقيقتي السحرية.
موجود.
غيرُ موجود.

في عالمٍ آخر، اسمُكَ "ملبن"، مثلًا،
تلعبُ معَكَ بنتٌ اسمُها "شيماء".
قواعدُ اللعبةِ اللا أحدَ يعرفها،
كلاكما غيرُ ملتزمٍ بها،
لأنه ببساطة:
"لا قواعد".

اسمُكَ "صاحبُ الوشاحِ الأحمر".
صفتكَ:
الغريبُ الذي لا يمانعُ استماعَ الحكايات،
ليسَ لديهِ حكايةٌ يحكيها في المقابل،
ليسَ بيديْهِ قلوبٌ كهذهِ (<3) يوقِّع بها الرسائل.

في عالمٍ آخر، أنتَ أنت.
تدلُّ علی نفسِك،
علی نفسِه،
علی صاحبِ الضميرِ الغائب،
غيابُهُ يمكُنُهُ أن يتحمَّل،
بضميرٍ، كلَّ ما لا يحتملُهُ الحضور.

أنتَ أنا.
أكلِّمُني.
أتعرَّفُ عليَّ وعليك،
علی الاحتمالات،
علی الجزءِ الذي: ربما أدركَهُ الوعي،
لولا اللا وعيُ سبق،
والعكس.
أراني فيكَ قبلما أراني.

لا أصنعُ بكَ ولا فيكَ يا عزيز،
أنتَ -فقط- بعضُ التجلِّي.

2014-09-21

ممكن تعديني يا عزيز؟

ازيك يا عزيز؟
أنا مش كويسة. خرجت من عند الدكتور خفيفة، بعدي الشارع وبفكر إن رجلي مش بتوجعني، بتترعش بس مش بتوجعني، بفكر إني في أول فرصة هكتب: حتی الدكتور عرف القصة من غير ما أحكي، وعلی طريقة تحصيل الحاصل:
احنا هنعمل التحاليل والأشعة دي تاني، ولو طلعت سليمة، أنصحك تشوفي طبيب نفسي.
والله قلتله ع اللي بحسه يا عزيز، علی قد ما افتكرت، وحاولت أستبعد التهيؤات، وهو يكررها: ممكن تكون نفسية.

كنت بكرر كلامه وأنا بعدي الشارع بخفة، ولقيت نفسي في الأرض. وقعت يا عزيز. هزمني تقلي تاني. كنت لوحدي، وكانت الدنيا ضلمة، والعربيات زي الأشباح، وأنا بنادي اللي مبتسمعش.

محدش من اللي حاولوا يساعدوني كان فاهم أنا بعيط ليه، بس كانوا طيبين يا عزيز، والبنت اللي عدتني بقية الشارع سابتني أمسك إيدها لأني كنت خايفة أقع تاني.

من المفارقات يا عزيز إنه قبلها بكام ساعة لما كنت في طريقي للمستشفی، كنت بفكر قد إيه هيكون صعب إني أقطع المحور لوحدي، كنت بفكر أروح لأول حد يقابلني:
من فضلك، ممكن تعديني؟
من غير ما الحد يفكر إني عايزة أكتر من تعدية.

20 سبتمبر 2014

2014-09-19

أكتب لعزيز

عقلي الباطن مش بيعرف يقرن أشخاص واقعيين بأحاسيس اللذة والانتشاء. الراجل الحلو اللي حضنني وحضنته منتهی الحضن في الحلم امبارح، شريك الحضن الراقص والنافذ في الضلوع، معرفوش.

ده بيفكرني بالفتی الفكرة.

تعرف يا عزيز!
الحياة بقت تقيلة فعلًا. عقلي وجسمي علی فارغيتهم بيتمددوا، بتزيد كثافتهم، بيتقلوا، وبتتسد قدامي طرق الهروب.

فاكر لما كلمتك عن السكاكين والسلاسل اللي جوا رقبتي هتسحقها وهتفتفتها من جوه؟ هي لسة جوه، ولسة بتخنقني بالبطيء، بتسرَّع أكتر لما بعيط، عشان كده مش بعيط كتير، مش حابة أموت يا عزيز.

تعرف يا عزيز!
حد من اصحابي، متخيل إنه مش بيعرف يعمل أي حاجة، بس هو في الحقيقة بيعرف يقول، أو يكتب، بيثير غيرتي، بس بفكر إني حتی لو قلت، فأنا فعليًّا معنديش حاجة أقولها/أكتبها، كل اللي في دماغي وشّ وفراغ محض، مخلوط بتقل ووجع وعينين هتنفجر، ومشاكل كل يوم الكبيرة والصغيرة.

أنا عايزة أجازة من كل ده يا عزيز، وحد ينزع أدوات التدمير اللي مزروعة جوايا، وحد يسكت البنتين اللي بيضحكوا بصوت عالي في الباص الصبح، وحد يتصرف عني لما أكون مش عارفة أو مش عايزة أتصرف، وحد يشيلني خمسة سنتي عن الأرض عشان أمشي كل المشي اللي عايزة أمشيه طافية من غير ما رجلي تنتفخ وتوجعني، ولما أتعب ينقلني فورًا للسرير، بس يكون سرير من اللي بيناموا فيه بعمق، ومن غير ما يحسوا إنه من شدة تقطُّع أوصالهم مش عارفين يلموها في نومة واحدة مريحة ومش بتسرَّع من شغل أداة النحر.

حجزت معاد مع دكتور بكرة، تفتكر هقول له أنا حاسة بإيه؟ يعني إيه المرض اللي بيجمع ما بين إحساس المجنون والمشنوق والمنفجر واللي وجوده أتقل من قدرة رجليه علی الحمل والاحتمال؟

تعرف يا عزيز!
شكرًا لأنك خليتني أكتبلك.

الصورة دي هدية ليك، صورتها بموبايلي يوم الخميس اللي قبل اللي فات، لما السما كان مفتوح فيها شباك، الشمس بتدلدق منه بشويش، بمنتهى الحذر والاندفاع.

2014-09-14

هدوء

هادئًا أو متصنع الهدوء في موقعه بالزاوية -لا أقول البعيد بل المراقب- كان.

عزيزي صاحب الوشاح الأحمر، كنت لتستدل عليَّ من وشاحي الذي لوَّن انعكاسُه وجهي الخالي من مساحيق التجميل، تقول أختي: ما فعلتِ بوجهك؟ أقول: فعله الخجل. الهدوء فعلها أيضًا يا ذا الوشاح، ذلك الذي كان ليدلك علی الفتی بسمته الهادئ الذي يجعله يبدو قديمًا كأزل، بقميصه المقلم بعناصر غابة نهارية، بملامح وجهه المحايدة، وكأن كل مخلوقات الغابة ليس بوسع أحدها أن يستفز انفعاله، وأنت تعلم أنه منفعل.

لاحظ أنك تلعب دورًا من أدوار الإله هنا يا عزيزي، تتوافد عليكَ الرسائل بلا توقف، تترسَّل في مناجاتكَ بفنون المناجاة، تبوح لكَ بما يطيب لها تقدير أنكَ لا بدَّ تعرفه؛ أنت العليم كما تعلم.

تعلم أن كل شيء كان محسوبًا، وأن ما حسبت حسابه حصل. أقول لأختي في الليلة السابقة: ثمانون في المئة لا أقل. وفي اليوم التالي، أهدأ وكأنها مجرد خمسين، وفي الموعد أهدأ جدًّا وكأنها سالب واحد، ثم … مرحبًا يا أنا يا ذات الوشاح الأحمر، الفتی البريُّ هنا، ترينه بنسبة مئة في المئة. كفان تهتزان، تمتمات …
- سعيد برؤيتك، سأمضي.
- أجل.
قلتِ لي ماذا كان احتمال استبقائك إياه؟ جيد أنكِ ما زلتِ هادئة.

عزيزي صاحب الوشاح الأحمر، أنا بخير، ماذا عنك؟ ربما أنتَ مثلي، تتذرع بجفاف حلقكَ معللًا إحجامك عن النطق بما تريد النطق به. ما زال حلقي جافًّا وكلمتان غارقتان بذاتي غير الواعية: هل نلتقي؟

وتأتي الواعية لتضيف اللمسة الزخرفية: عزيزي الفتی -حطي النعت بالحلم علی جنب- تقول لنفسها، وإليه:
أردتُ أن أستشيركَ في أمر هام … ااام، لي صديقة حكايتها أنها … لا انسَ صديقتي، ما أريد قوله هو … ااام … كيف حالك؟ أنت حالٌّ فيَّ بطريقة أو بأخری.
كلَّا، الواعية لم تكن لتستخدم تعبيرًا بكشف ومجاوزة تعبير "الحلول". في الحقيقة، الواعية أعياها مداولة الحلول، وهي للحق لا تجد أيًّا من هذا منطقيًّا.

هل تعلم أني أعد كتابًا له؟ كنت أرجِّي الانتهاء منه وطبعه ولفه بالعطر قبل ليلة أمس، أرجِّي المزيد من الهدوء لأهديه إياه عوضًا عن كلامٍ لم أقله، ولن.

اليوم أجدني هادئة أيضًا، مفتوحة الرئتين علی بهجة لا أعرف مصدرها، مسبباتها واهية، ليست مصدريَّة ولا صخبويَّة، لكنها تجعل عضلاتي الأكثر التصاقًا بهيكلي تبتسم. هذا يفسر انقباضات معدتي غير المؤلمة، كجوعٍ خفيف، كاحتواء زمرةٍ من فراشاتٍ جائعة، لأجنحتها الرقيقة رفيفٌ واهن.

مرآتي تقرأ بنتًا أجمل حين أحبُّ يا أحمر، عيناي تمحوان خطوطهما وتتحدَّدان من جديدٍ علی هيئة حمامتين محلقتين في محجريهما، جلدي يصبح أكثر نعومة ويشف، تحلو شفتاي، أنحف، يرِق خصري وصوتي، وأصبح أقلَّ تشوَّقًا لإثارة مواطن لذتي بأصابعي أو بخيالي. يعني.. ما اللذة؟ ما مكافئها؟ ما يعدل فكرة الحب؟

تكبرني بكم؟ عشر سنين؟ ألفًا وعشرين؟ ألم تتعلم في سنواتك الكثيرة كيف تقبض علی تعريفٍ للأشياء؟ لو عشتُ ما عشتَ لأمكنني تهجئة الحب، بلا معلِّم، لما التبست عليَّ حلاوة الفتی بحلاوة الفتی، لحدَّدتُ لون الفستان وقصَّتَه، وفعله في جسدي وفعلي في مُخملِه، وحظَّ الليلة التي سأرتديه فيها من الفرح.

أعرف أن فرحًا عظيمًا سيحدث يا ذا الوشاح الأحمر. دع لي دور الإله العليم هذه المرة، وثِقْ.

14 أبريل 2014

2014-08-27

غربة

واحدٌ يدخلُ مجالَ الآخر
بمَ يشعرُ المقتحِمُ/المقتحَمُ؟
كيفَ يفسِّرُ اللحظةَ؟
كيفَ يری نفسَهُ/الآخر؟

الممثلُ في الفيلمِ مثلًا
يعلمُ أنَّ ذراعيه سيلائمانِ الآخرَ تمامًا
(إنه مكتوبٌ في الورق)
سيحتضنُهما قبلَ أنْ يحتضناه

ماذا لو كنتُ أمثِّلُ وكنتَ
أحدُنا لا يعرفُ الآخرَ
زُجَّ بنا في المشهدِ بلا ورق
غريبانِ غريبانِ

أيُّنا سيفِرُّ قبلَ صاحبِهِ؟
أيُّ لحظاتنا ستتجمَّدُ/ستجمِّدُنا وتجري؟

2014-08-22

إلى الحسيني

لعلك تتفاجأ حين تعرف كم هو قليل عدد الروايات التي أنهيت قراءتها فعليًّا في حياتي. آخرها مسودة الرواية الجديدة لبركة ساكن؛ ذلك الرائع "الرجل الخراب"، كنت قد شرعت في قراءتها قبل نحو شهر، وأنهيتها بالأمس فقط وأنا أقول: "هو كذلك، هو خرِب جدًّا، مثير للشفقة، حقيقي، مؤلم في عالم لم يمنحه غير الألم، كلا، الخراب ليس هو، بل ما حوله، بل الأغشية الرقيقة حينًا والخرسانية حينًا التي أحاطت به، احتوته، سيطرت على حركاته، وحالت بينه وبين الحصول على علاقة صحية مع ما ومن حوله".

بركة يجيد ذلك فعلًا، ويطبق عمليًّا فكرته عن الخَلق القصصي والروائي الجيد، رأيته مرة يتحدث عنا وعن كم نحن استثنائيون ومميزون، وأن كل إنسان يملك ولا شك أسطورته وحكايته الخاصة المبهرة، لكن، ما كل الحكايات الذاتية تصلح لصنع الأدب العظيم، ولربما فقدت بريقها إن هي وُضعت كما هي على الورق، لكن وحده الروائي الشاطر من يستطيع الحفاظ على ذلك البريق وتغذيته من روحه وخياله وتشكيله بأدواته وأساليبه المميزة.

غير بعيد، استمعت قبل أيام إلى رأي آخر حول الذاتية، قال المحاضر إن الأدب الذي يسير على منوال "أنا وأنا، طفولتي، ذكرياتي البائسة، أنا، أنا، والكثير من الأنا" ... يعتقد خالد إسماعيل أنه أدب رديء ومُساء توجيهه، بينما تعني الذاتية الحقة والخلاقة من وجهة نظره: "أنا والمجتمع، أنا وأفكاري وتفاعلاتي مع المجتمع والمحيط بمختلف أبعاده".

أحاول ألا أشغل نفسي كثيرًا بالتفكير في ما يجب وما لا يجب عندما يتعلق الأمر بكتابة الرسائل، لدي هواجسي بشأنها، لكن آخر ما أفكر فيه هو وضعها في ميزان الإبداع أو موازين الذاتية والموضوعية. في رأيي، الرسائل أوسع أفقًا وأكثر استيعابًا لصنوف الكتابة ودرجاتها وصورها المحتملة.

هنا، أظنني بحاجة إلى تغيير الموضوع (مسموح بهذا في الرسائل في أي وقت) خاصة وأني لا أعتقد أن حديث الرسائل الطويل هذا والمرشح لأن يطول أكثر، لا أعتقد أنه ما أردتُ أن أحدثك عنه في المقام الأول، ظننت أنه سيشكل مدخلًا إلى حديث آخر رئيس. أحاول تذكره الآن.

تذكرت. كنتَ تقول شيئًا عن الناجين من الحملة العنيفة التي شننتُها على أصدقائي الافتراضيين على فيسبوك، أجبتكَ أنهم؛ الناجين محظوظون. لكن الأمر ليس كذلك. لا أدري ما الذي يرسم دوائر اهتمامي ويحدد دوائر الأمان الخاصة بي بالضبط. بعض من حذفتهم أكن لهم مشاعر طيبة بالفعل، بعضهم لم يشكلوا يومًا مصدرًا للإزعاج، بعضهم أنزعج لمجرد رؤية أسمائهم وإن لم يفعلوا شيئًا، بعضهم لا أحبهم فحسب، بعضهم لا أعرفهم، بعضهم أعرف أنهم يخلقون بداخلي أفكارًا وأحاسيس سلبية، بعضهم عشوائيون، بعضهم كانوا لدي "متشالين لوقت عوزة" وكنت لديهم كذلك، وهذا سبب حقير للاحتفاظ بأصدقاء ليسوا بأصدقاء.

قد يجرني الحديث إلى فكرة الأصدقاء أساسًا، لكن ليس هذا مقامها، ومشكلتي المزمنة بخصوص عدم القدرة أو عدم الرغبة في الحصول على أصدقاء قصيري أو طويلي الأجل، فضلًا عن علاقاتي الاجتماعية شبه المنعدمة بشكل عام، مشكلة كهذه مكان مناقشتها عند المختصين، لا في رسالة إلى صديق افتراضي هو أحد الناجين من المذبحة الأخيرة، وربما لا ينجو من أخرى تالية.

ما أريد قوله: أنا أهتم للآخرين حقًا، ولا أحد يهمني حقًّا.

يعجبني الاسم المستعار الذي اخترتُه لحسابي المحدود، لكن، وعلى الرغم من أني هناك أجرأ وأقل لطفًا، أقول إني حزينة عندما أحزن، غاضبة حينما أغضب، أحب أحبائي وأكرههم في الوقت نفسه، لا أراقب عباراتي ولا أهذبها دون داعٍ، إلا أني لا أستطيع أن أكون اثنتين في واحدة، وصنع ثالثة هي مزيج من الاثنتين معًا سيستغرق وقتًا ويتطلب تغيير كثير من العادات القديمة.

تجربة الاسم المستعار غيرت شيئًا؛ أشياء. مثلًا، استيقظتُ صباح يومٍ عازمة على نشر واحد من نصوصي الأكثر فضحًا، لكني لا أراه كذلك. الكتابة لا تفضح يا حسيني. الكتابة تعيد سرد الحقائق، تحاول تبسيطها، تركيبها، فهمها، اكتشافها أو اختراعها، تسير بها في مسارات جديدة ... أيًّا كان، المؤكد ألَّا علاقة لها بالفضائح.

أقول لأختى: انظري، فلان يكتب، وفلانة تكتب، يكتبون كل شيء ولا شيء، تقول: ليس لديهم ما يخسرونه، لكنك ستلحقين الأذى بأولئك الذين تهتمين لأمرهم. لا يقنعني منطقها تمامًا، لكني أظل محاصرة في منطقةٍ ما بينه وبين منطقي، وأنتظر لحظة إنفاذ الوصية، وأرجو ألَّا يطول انتظاري وألَّا يضيع سُدى.

* رد الحسيني: رسالة طويلة إلى لبنى

متساقط

”أخبريه أنه متساقط“

حسنٌ.. رسالة، أفتحُ القوس:
عزيزي (...)
أنتَ متساقط.
أغلقُ القوس، أنام.

يعيدُ الساعي إليَّ الرسالة:
لم يُستدلَّ على المطر.

أعيدُ تحريرَ الرسالة، أفتحُ قلبي:
عزيزي (...)
أنتَ متساقط.

أغلقُني.

16 أكتوبر 2012

2014-08-21

تنهيدة.

تنهيدة.

لدي عقدتان بين عقد أخری كثيرة: الموت والأكبر سنًّا.

أنا أكره الموت وكل صنوف الغياب والتعفن التي تشبهه، والفقد، أن أفقد أو أُفقَد، وألا يفتقدني أحد.

أفكر: لستُ مغرمة كثيرًا بهذا الجسد، لكنني لا أحتمل فكرة أن يكون يومًا مصدرًا للبشاعة الخالصة والرائحة التي لا تطاق. لا أحتمل أن يتلمسني أحبائي باهتمام لأول مرة ويجدوني خاوية باردة. الذين أحبهم، أفحصهم باستمرار، وأعلم أني سأضيع عقلي إن ضيعتهم. كل ما أقوله لنفسي عن أن الفتی ليس لي وعن أنه لا يهتم وأني لا أهتم به إلی هذا الحد، كل ذلك يصير لا شيء، يتلاشی في لحظات ضعفي وموتاتي المصغرة، ويخيل إلي أني سأطلبه في الساعة الأخيرة لأراه وأسمعه لمرة أخيرة حقيقية، وسيلبي لأنه سيضمن أنه لن تكون ثمة مرة أخری، لن يلزم نفسه بشيء لأجلي، لن يتورط.

الحياة مرهقة، وأنا قليلة الحيلة، محدودة، صغيرة ووحيدة، لكنني لا أريد المغادرة، لا أستطيع سداد كلفتها، ولم أعتد الاقتراض أو استجداء أحد ليسد عني.

أضم حقيبتي علی الطريق السريع كل يوم، وأفكر أن أشيائي الدقيقة التي تحتويها؛ الورق، المفكرة المسجلة في ذاكرة هاتفي، البطاقات التعريفية والمصرفية، الصور، المفاتيح، مرطب الشفاه، تذاكر السينما والمسرح وحافلات النقل العام، مشابك الشعر، الأقلام التي أفلتت من أيدي أختيّ اللتين طالما تآمرتا علی أقلامي، الصدفات الباقيات من رحلة الغردقة، المخلفات التي أحتفظ بها ريثما أصل إلی البيت عوض أن أرميها في الشارع وكثيرًا ما أنسی التخلص من معظمها، الفلوس ... كل تلك الأشياء لن تعني أي شيء لأي أحد إن تصادمت مركبتان علی الطريق وتمزقتُ بينهما، لن يصرخ المسعفون ورجال الدفاع المدني: الصدفااات ... هل أنقذتم الصدفات؟

لا أستطيع تخيل النهاية، بقدر ما أستطيع تخيلها. لقد جرَّبت. آثار أبي وأمي تشهد. ثم تأتي خالة أو عمة لتزجرني: لا تكوني كذا لأن أباك وأمك لم يكونا كذلك. أنا وحدي التي تعرف كيف كانا، وكيف أنهما لم يعودا موجودين، ولولا أني موجودة لما صدقتُ أنهما كانا موجودين يومًا.

لا أحسبني انتهيت، لكنني متعبة لأكمل. ربما في رسالة أخری. كوني بخير لأجلك. واكتبي لي متی أردتِ، سأقرأ ما دمتُ هنا.

29 مايو 2014
* أرسلتها إلى أمل إدريس.

2014-08-20

في الأحلام والفيريتيلز فقط

في الأحلام والفيريتيلز فقط
تحصلُ البنتُ علی الحضنِ أولًا
قبلَ العشقِ وقبلَ كلِّ شيءٍ آخر
وفي حكايتنا

5 مايو 2014

2014-08-19

يا سماح.. ما أخبار الصبر؟

الصبر ليس نزهة. الصبر ليس قرارًا بالتحمل. أنا لا أستطيع أن أتحمل المزيد.

عندما أفكر في الموت أفكر في لحظة انفجار قصوی، سأنفجر يومًا حين يعجز جسدي عن تحمل كل هذا المزيد. سيكون انفجارًا مدويًّا يعقبه صمت تام، كصمت الموت.

قبل قليل كنت أقول في نفسي: لماذا لا تكون قصة الحب كلها مكونة من كلمة واحدة؛ (حضن). لماذا لا يكون شخصان لأحدهما الآخر كبطلين في فيلم من تلك الأفلام التي تملك أبطالًا صامتين يضمون بعضهم البعض بصمت، يعتنون ببعضهم البعض بصمت، يضحكون معًا ضحكات هادئة خجولة أو صاخبة دون سبب، ويبكون معًا لأسبابٍ كثيرة يعرفونها ولا يتحدثون عنها. تلك الأفلام، تعرفينها؟ غالبًا ما يكون أحد البطلين أو كلاهما معاقًا ذهنيًّا. هل المشكلة هي أننا لم نفقد عقولنا بعد؟ فلا نستطيع أن نحصل علی أحبة يحبوننا من غير كلام ولا شروط؟

8 يوليو 2014
* مقطع من رسالة أرسلتها إلى سماح نصر.