2016-05-18

هذا الشخص يحاول إدارة موارده النفسية-1

By: Bassem Yousri.

(قبل القراءة: هذه التدوينة منشورة لغرض التوثيق الشخصي، ليس إلا. لا ضرورة لقراءتها.)

28 أبريل
الحلم اللي من سنة بيتحقق بطريقة لا تخطر على بال! :) أنا ممكن أرجع أصدق في الأحلام عادي.. أو المعجزات.

1 مايو
النهاردة يعدي ٦ سنين على أول حملة تدوين يومي، بدأتها داليا يونس في مايو ٢٠١٠. لفترة كنت بعتبر إن التاريخ ده من التواريخ الفاصلة في حياتي، وفي تعاملي مع الكتابة والتدوين.
مع قليل من التأمل أقدر أضيف إن معظم أصدقائي الحاليين (بغض النظر عن إني بقول إن معنديش أصدقاء) عرفتهم بعد التاريخ ده، ولواحقه، من حملة يونيو ٢٠١١ وكتاب المية تدوينة، وهكذا.
اللي فكرني، ميموريز الفيسبوك وهي بتقول إني من ٦ سنين بقيت أنا وريهام سعيد أصدقاء افتراضيين. ما اتقابلناش واقعيا إلا في ٢٠١٣، وكنا زملاء عمل لمدة سنة. ولسة بندون.

2 مايو (1-2)
"الحياة أقصر من أن نفنيها في انتظار آت لن يأتي. الظلمة التامة أفضل من ضوء كاذب أو مفتعل. النور موجود في مكان ما. هل سنجده يوما؟ ربما. ربما."
من رسالتي إلى صديقة، فجر اليوم.

2 مايو (2-2)
من شهرين قريت رواية ألمانية مترجمة بترشيح من أماني، اسمها نسخة معيبة. النسخة المعيبة كانت شابة بتعاني من الاكتئاب أو الاضطراب المزاجي، وبتحكي قصتها مع العلاج واكتشاف نفسها وتصحيح مسار حياتها وعلاقاتها.
لغاية قرب نهاية الرواية مكنتش حاسة بالتعاطف مع البنت، وكنت حاساها مفتعلة ومبالغ فيها ومتعرفش حاجة عن فقدان الرغبة والقدرة على الحياة ولا عن خواطر الانتحار والخوف من إنها ممكن فعلا تستخدم المقصات والأدوات المؤذية حواليها في إنها تؤذي نفسها أو تتخلص من الألم للأبد.
لكن يظل فيه فكرة إيجابية في القصة معلقة معايا، وهي إن البنت كانت ماشية تقول لعيلتها واصحابها، أنا عندي مشكلة وبحاول أحلها، وبتلقى المساعدة من طبيبة نفسية بتديني علاج دوائي، ومن أخصائية نفسية بتسمعني وبتديني فرصة أفكر بصوت عالي. هي كانت بتحس بالقوة والارتياح بمشاركة المعلومة دي مع المقربين منها، وهم في المقابل كانوا بيشجعوها وبيقولولها هم قد إيه فخورين بيها وبيدعموها، كل واحد بطريقته، حتى لو بمجرد التقبل أو البقاء في الجوار.
محدش قالها انتي طبيبة نفسك، ولا حد قالها كله إلا الدوا هيجننك أكتر، ولا حد قالها صلي واستغفري ربنا وهتبقي كويسة، ولا أنا عندي مصايب أكتر منك ولسة عايش أهو.
إنك تكون نسخة معيبة مش شيء تخجل منه، ومش شيء يستحق اللوم أو الشفقة، لكن التفهم. التفهم على الأقل.

3 مايو (1-2)
من باب تسمية الأشياء بأسمائها.
أنا بتكسف يا جماعة.
وبشوف نفسي زي ما كنت بشوف أختي سجود وهي صغيرة، لما كان يبقى عندنا ضيوف، فتفضل مستخبية ورا ضهر ماما ودافنة وشها فيه.
سجود كانت أجملنا وأكثرنا براءة ورقة وتعلقًا بهدوم ماما.
المهم إني بتكسف يعني، ومش دايما بعرف أستخبى.

3 مايو (2-2)
عزيزتي الفكرة.. كان ممكن تستني لما أنام وأصحا بلا ذاكرة، علشان تلاقي لنفسك مكان نضيف ومرتب في عقلي.
عزيزتي الفكرة.. لو نمت هنساكي، لكن أنا فعلا محتاجة أنام (أو أموت)، اعذريني.
دعاء قبل النوم: يا رب الشغل وكل الزومبيز اللي فيه يختفوا من الوجود (أو يموتوا).

4 مايو (1-2)
خايفة أكون ببتدي أشوف الجانب الحلو.
زي مثلا إني أشوف في غضبي ونرفزتي الجداد طاقة حية، مختلفة تماما عن خمول الفترة السابقة، طاقة ممكن تشغلني ٣ أيام من غير نوم.
الجميل والمخيف إن الطاقة دي بتحركني في طرق غريبة وبتعلي عندي المبادرة تجاه ناس وحاجات كنت مستسلمة لفكرة إنها ماتت من زمان.
خايفة أكون مسؤولة عن الجنان اللي بعمله ولسة هعمله.
بس كل الخوف ده أقرب شبهًا بالحياة، منه للموت السابق.
الحياة مخيفة وجميلة ومؤلمة.

4 مايو (2-2)
أذكر نفسي: فيه ناس حلوين في حياتي. فيه حضن حاتم أخويا وتفهمه وتقويته ودعمه ليا. فيه ناس في حياتي. ومحتمل أبقى أنا كمان في حياتي قريبا.

8 مايو (1-2)
الخوف ممل، وبيعطَّل.

8 مايو (2-2)
العصافير في الخارج مزعجة، وكذلك الكلاب، وغسالة الملابس، ولوحة مفاتيح اللابتوب التي أنقر عليها الآن، ويوم جديد.

9 مايو
هي دي حاجة تافهة أنا عارفة، بس أنا بيشغلني الترافيك بتاع المدونة، وهو قليل مش بيعجبني وبحس إنها مهمَلة، وهو كتير بيعجبني شوية وبعدين بخاف. من ساعة ما الأكاونت ده رجع لنشاطه بيجيلي ترافيك عالي نسبيا من الفيسبوك، رغم إن عدد الفريندز عندي قليل، والنشطين منهم أقل. بيخوفني كمان الـ direct traffic اللي بيعني غالبا إن الضيف جاي من نفسه من غير سبب.
لو تخلصت من العادة دي، هكون حليت سبب من أسباب التوتر، حقيقي.

10 مايو
البيت بعيد جدا.

11 مايو
في مرة الدكتور بتاعي قالي حاجة ذكية، كنت شايفاها غبية وقتها.
لما سألته: أفرق ازاي بين إن عندي مشكلة وبين إني أنا كده، شخصيتي كده؟
رد: هو انتي كده طول الوقت؟
دلوقتي أنا عارفة ومتيقنة من إن الضعف واليأس والقلق والخوف، كل دول وغيرهم، مش حقيقتنا. حقيقتنا هي اللي بنكتشفها وبنشوفها، رغم التعب، ورغم وجود كل ده. حقيقتنا هي الرغبة في البقاء، والرغبة في فعل الأشياء بالطريقة الصحيحة، والبحث عن الطريقة الصحيحة أولا، حتى لو ملهاش وجود.
ولا ننسى أن والدة ألفونس دو لامارتين "لم تكن تطلب منه أكثر من أن يكون إنسانا حقيقيا وطيبا."
نحاول نعمل زي ما ماما دو لامارتين قالتله، وبلاش نطلب من نفسنا أكتر من كده.

12 مايو (1-3)
زي النهاردة من ٣ سنين، كنت بمر بنقطة تحول، من ضمن نقط تحول كتير في حياتي. لسبب ما خفي، حاسة إن ١٢ مايو ٢٠١٦ هيكون هو كمان نقطة تحول.
بهذه المناسبة، وبمناسبة إن ضغط الشغل في الأيام اللي فاتت خلص، دعونا نواصل كل المواعيد المؤجلة.
على صعيد آخر، بشتغل على موضوع عن أهمية دمج الفيران العادية، بين قوسين القذرة، مع فيران التجارب، بيقولوا إنه بيزيد من مناعة الأخيرة وبيخليها أكثر شبها بالبشر، ومن ثم أصلح للاختبار.

12 مايو (2-3)
أحسن حاجة قالتها المديرة بتاعتي بعد استقالتها: متعملوش زيي، محدش يموّت نفسه شغل، احصلوا على حياة برا الشغل.
الحقيقة أنا كنت مستنية أسمع ده منها، هي بالذات، جدا.

12 مايو (3-3)
نبدأ مرحلة: أنا اللي بتحكم في الـ antidepressant مش هو اللي بيتحكم فيّ.
محدش يسألني ازاي.

13 مايو (1-3)
من تمام حسن الحظ إني عندي صديقة اسمها أمل، بتكسف أقول لها "أمل" من غير ألقاب، لكن مش عارفة إيه اللقب اللي ممكن يليق بيها. صحيت على رسالة منها مختومة بالتالي:
"الحياة عاوزة التأني والاسترخاء، ده اكتشاف مؤخر بس النتيجة مبهرة، القلب ساعات بيبقى سكران حرفيا من أشياء بسيطة جدا."
القلب سكران.

13 مايو (2-3)
كل فترة بيكون فيه شخص بيتلبس وجوه الغرباء اللي بشوفهم في الشارع. الفترة الحالية فترة خالي، بيلفتني فجأة، وبوصل أحيانا لتيقن من إنه هو فعلا، لولا إنه في السنوات الأخيرة فقد تدريجيا القدرة على الكلام والحركة، وأصبحت زيارته مؤلمة.
الغرباء اللي يشبهوه بيثيروا فيّ شعور "غريب ومطمئن" بإنه الدكتور فتحي بتاع ما قبل خمس ست سنين فاتوا لسة موجود.

13 مايو (3-3)
في يوم من الأيام، الناس اللي ماسكين فيسبوك، هيبعتولك نوتيفيكيشن كل لما حد ييجي يكتب لك وبعدين يمسح اللي كتبه من غير ما يدوس  send.
ممكن يبقى النوتيفيكيشن بيقول إيه مثلا؟
"أحدهم فكر فيك، مش أكتر"، مثلا.

14 مايو
Wisdom of the day: Find someone to share your good and bad dreams with. Or die.

15 مايو
دعونا في المرة القادمة لا نبالغ في تقدير مدى تطور الحالة؛ فالجو البارد يصبح دافئا ثم معتدلا ثم حارا، ثم حارا جدا، ثم يظل كذلك.
في شأن آخر، البائسون الذين يسافرون من الهرم إلى مدينة نصر كل يوم، ذهابا وإيابا، ويكون مطلوبا منهم أن يعملوا بين الرحلتين، تعساء جدا، وغير معقولين، وأموات، بلا أي مقابل.
دعونا في المرة القادمة لا نبالغ في تقدير التفاؤل، وقدرته على الحياة في الظروف البيئية الصعبة، والكلمة المركبة "إقبال على الحياة"، والعادات الجديدة، والأصدقاء، وحب البقاء.

18 مايو
ما عادش فيه سحر في العالم :)

2016-05-15

عادات النوم الجديدة


كبرت كفاية يا أبي لأدرك أن الأحلام - جيدة أم سيئة - لا تعني شيئًا.

"عادات النوم الجديدة" عنوان يوحي بأن كل هذه الإرهاصات الجديدة خاضعة لإرادتي، بقدر ما.

في ظل العادات الجديدة، أصبح من الصعب أن أغفو وظهري ممد على السرير، وكذلك أي من شقيَّ لا يصلح. ماذا إذن؟ لا، النوم منكفئة يعوق التنفس ويربك أعضائي المرتبكة أصلًا.

في الحقيقة، توصلت إلى وضع مريح، من لوازمه أن آخذ موقعي في البقعة الغائرة في سريري، التي يبدو أن ثقل الأيام الفائتة هو ما صنعها، لكنها أصبحت تناسبني تمامًا، ألقي فيها بجزء من كل من ظهري وبطني وشقي الأيسر، في الوقت نفسه، وأحيط الباقي مني بذراعي وباللحاف الثقيل الذي أرفض التخلي عنه مهما اشتد الحر.

على الأقل هذا ما أدركه من طبيعة الوضع الجديد، كما أدرك تقلباتي المستمرة التي لا تسمح له بالاستمرار طويلًا.

كم هذا ممل ... حتى أنا لن أحب أن أعيد قراءة هذه التفاصيل التي لا تهم أحدًا، ولا تلعب دورًا دراميًّا جوهريًّا.

الجزء الدرامي في الموضوع يذكرني في جانب منه بأبي.

حاولت أمس أن ألخص الأمر بصورة مخلة لصديقي محمد، قائلة: لا أدري. حوالي مئة في المئة من زمن نومي يتحول إلى أحلام. واقع موازٍ كامل. أتكلم فيه بصوت مسموع، لشدة تداخل الواقعين، رغم اختلافهما.

أبي أيضًا، كثيرًا ما كان يتكلم أثناء النوم، كلامًا غير مفهوم في معظم الأحيان، لكنه يكون في أحيان أخرى مفهومًا وواضحًا وذا معنى.

أما كلامي فمن النوع الثاني، مع فارق بسيط، فأنا أستطيع تذكر معظم كلامي والأحلام أو الكوابيس المصاحبة له، بينما كان أبي في الغالب لا يعرف شيئًا عن كلامه إلا ما نخبره به بعد استيقاظه. في الواقع، كان يطلب منا أن نبذل جهدًا أكبر في حفظ ما يقول أثناء نومه، خاصة إذا بدا لنا حكيمًا إلى حد معقول.

كنت أستمتع بالأمر في البدء، ثم أصبح يرهقني، ويثير استغراب أختي في السرير المجاور، وأحيانًا خوفها وتوجسها.

في الليلة الماضية على سبيل المثال، كان الواقع الموازي فظيعًا، يقارب في فظاعته فظاعة الوقت الذي مضى وأنا أحاول الخلود إلى النوم ولا أستطيع، أضرب رأسي وأبكي، ولا أكف عن تذكر حلم الليلة السابقة الطويل، ويؤلمني أنه: إذا كانت الأحلام انعكاسًا لرغباتنا وأمنياتنا، لماذا لا أتمنى أكثر من أن أكتب لمصطفى رسائل نصية جافة وتافهة، وأنتظر طويلًا حتى يرد علي، ويرد، لكنني لا أكتفي، وأتمنى لو بادأني بالرسالة التالية، أو سألني موعدًا أول جديدًا، كأي موعد عادي بين صديقين عاديين فوتا موعدهما السابق.

في الحلم كتب لي مصطفى أنه لا يحب القراءة، واستنتجت أنه حتى لو أحب القراءة، فلن يقرأ ما قد أكتبه عنه، وهذا يطمئنني في جانب منه، ويثير استيائي وتضايقي من نفسي.

أنا لا أريد أن أقع في فخ الكتابة عن ناس لا يقرؤون، من جديد، حتى لو كانوا مجرد أصدقاء. كما لا أريد أن أكون صديقة الـ typing / send / seen / typing again. أريد أن أرى من أهتم بهم ويروقني التحدث معهم، أريد أن أواجههم وجهًا لوجه، وإما احتفظنا بصداقتنا المزعومة، وإما وفرنا على أنفسنا عناء الـ typing / send والانتظار ... وانتهى الأمر.

الواقعان الفظيعان المتقاطعان، لم ينتهيا، حتى وأنا أصرخ في الله: أنهِ هذا الآن يا رب، يا رب، يا رب ... وما زال الفزع وصوتي يعلوان، حتى فتحت عيني على آخرهما في ظلام الغرفة، وانتفضت أختي تربت كفي: يا حبيبتي ... يا حبيبتي ...

أعلم أن الفظاعة لن تنتهي من تلقاء نفسها، وأن الله لن ينهيها، لكني تعبت يا أبي، وعادات النوم الجديدة - وأحلامي - لا تساعدني.

15 مايو 2016
*اللوحة للفنان محسن شعلان.

2016-05-10

لمَّا دنت داليا

كانتْ داليا تطلُّ من الصور
لا كجزءٍ من المشهد
ولا من خلفيته
لا كواحدةٍ من المُصوَّرات
ولا كإنسانٍ عادي
كانتْ تتوسَّطُ التكوينات
وليستْ في الوسط
بل في فراغٍ عُلويٍّ ما

كانتْ داليا روحَ الصورة

في الصورةِ المحفوفةِ بالقوالب
كانتْ داليا تصلي
قدمٌ على حبلٍ دقيق
وقدمُها الأخرى مستقرةٌ
على الهواء
وكانَ رأسُها ثابتًا
موجهًا إلى الله
وإلى الحُلم

كانتْ داليا تتغير
مرةً تركلُ رملَ الشاطئ
مرةً تطير
مرةً تطفو على سطحِ اللطف
ومرةً .. ومرة ..

الثابت: داليا حقيقية
داليا دانية
كحقيقةٍ بعيدةٍ
في عمقِ الروح

الخبرُ الحصري:
سيحملكِ الحبلُ الذي تمشين عليه بمهارةٍ وثقة، إلى آخرِ الدنيا ... وستجدينَ الحبَّ يا داليا.

10 مايو 2016
*إلى الصديقة القريبة داليا رحاب.

2016-05-08

لماذا تشعر لبنى بالخوف؟


هل لأن الحياة تمسك بقدميها تجذبها إلى أسفل، لتمنعها من القفز خارج الحياة؟ ربما.

تشعر لبنى بالخوف لأنها محاصرة، ملاحقة، ولأن أشياء جنونية إلى أبعد حد وغير محتملة، تحدث، تتفجر داخل رأسها، تثقله وتمدده وتجعله أجوف، خاليا من الكلام، من أسماء الأشياء، وسماتها، من الانفعالات، من ملاحظة الانفعالات، ومن القدرة على الفعل. هذا هو العجز الذي أعنيه يا طبيب.

لبنى محاصرة، وتصرخ في الحياة: توقفي، توقفي الآن، ودعيني أذهب، توقفي الآن ولن أذهب إلى أي مكان، سأسكن حيث أنا، وسيصنع سكوني نافذة تطل على لا شيء. لا أريد العيش. لا أريد أن أشعر بقلبي ينبض، ولا بتوقف النبض. أريد أن تتجرد الحياة - على الأقل - من كل حقائقها، الحزينة منها والسعيدة والمؤلمة، والطبيعية، وما لا طاقة لي بتقبله ولا برفضه ولا بالتعايش معه.

لبنى تشعر بالخوف، كما لو كانت الحياة نوبة ذعر طويلة ممتدة، لا تكاد تفتر حتى تستعيد قوتها من جديد، لتشعر لبنى بالخوف من جديد، من جديد.

8 مايو 2016
Photo by: Karen Khachaturov.

مقتضبة جدا


لي ثلاثة أيام أفكر أن أول شيء سأكتبه سيأخذ هذا العنوان: مقتضبة جدا. أفكر أني مقتضبة جدا، ولأني مقتضبة، لا أدري كيف سأشرح كوني مقتضبة.
قال لي طبيبي إنني أجيد التعبير عن نفسي بالكتابة وبالتحدث إلى نفسي. أعجبني أن أصدق ذلك، رغم اتهامي الدائم للكتابة بأنها تخونني، بقصورها عن تأدية المعنى حينا، وباختلاقها معاني لا أريدها في أحيان أخرى.
الأمر المزعج الآخر، هو أنني أملك في رأسي محرران على الأقل، يريد كل منهما تفصيل النص على مزاجه، وكلاهما، أو كلهم، ينجحون في فرض رأيهم، وقلما يكون لي أنا رأي أفرضه.
يزعجني الإلحاح أيضا، المحرر في رأسي لحوح، كما هي كثير من أفكاري، العنيدة.
مثلا، اللقاء المؤجل بيني وبين صديق منذ عام ونصف العام، أصررت على اعتباره مؤجلا، وليس ملغى. حتى قلت لأختي اليوم:
لقد قررت. سأرسل إليه: لنستكمل خطة لقائنا المؤجلة، ما رأيك؟
محرري أرادها أن تكون مباشرة هكذا، مختومة بعلامة استفهام، ستستتبع قبولا أو رفضا، وينتهي الإلحاح. لكن أختي كان لها رأي آخر، وافقها فيه أحد محرري الآخرين. فأرسلت إليه:
يجري الآن عرض كذا وكذا، إن وددت أن تلقي نظرة.
لم يكن هناك سؤال إذن، بل جملة خبرية عادية، قد تفتح بابا على السؤال، وقد تظل منتهية بالنقطة التي انتهت بها، ويظل الإلحاح قائما.
أنا مقتضبة جدا. لكنني عندما أسهبت في رسالة أرسلتها إلى مديري، سمعت الحوار:
- فاضيين احنا، هنسيب شغلنا ونقرا كل ده.
- خليهم يتسلوا.
- مش لما يعملوا شغلهم الأول يبقوا يتسلوا؟
أنا مقتضبة جدا. إلى درجة أنني لا أجد ما يستحق أن أكتب عنه الآن، ولا ما يستحق أن أنهض من أجله غدا إلى العمل، ولا أعرف متى اللقاء، ولا لماذا اللقاء.

#ساعة_كتابة
٨ مايو ٢٠١٦
Photo by: Karen Khachaturov.

2016-04-29

استئذان أو ما شابه

أدخلته إلى الغرفة
أغلقت الباب
اطمأننت لارتياحه على السرير
خلعت ملابسي وأنا أنظر إليه
إلى لحيته الكثة، شعره الطويل، جبينه المجعد، ملابسه الضافية
لم يزل محافظًا على استقامة نومته
وثبات نظرته في اتجاه غريب
لم أزل ماضية في خطة الحب
سألته قبل أن أباشره، لأتأكد:
هل تسمح لي؟

29 أبريل 2016
Painting by: José Manuel Merello.

2016-04-24

عشم

لا أدري كم مضى من الوقت وأنا جالسة على أرضية الحمام مسندة ظهري ورأسي الثقيل إلى جداره القاسي. لا بد أنه كان وقتا طويلا كفاية ليغرق حاسوبي في سبات أموت لأحصل على مثله.

أنا كما كتب لي مرة صديق: أنت تريدين الناس ولا تريدينهم في الوقت نفسه.

أخاف أن أفقد من لا أريد فقدانهم، أخاف أن أريد فقدانهم. أسعى - أو أكاد - في قرب من أعرف أني لن أريد بقاءهم، ومن لن يريدوني، ومن يسهل فقدانهم، وأتردد، مخافة أن يكونوا من النوع الذي لن أرغب في فراقه، أو سأخاف أن أرغب في فراقه. وأشعر أنني لست جديرة بأي من هؤلاء أو أولئك، لا يريدني حقا ولن يريدني أحد.

ما زلت أتأمل سقف الحمام المضاء إضاءة خافتة، حتى ظهرت أمي، ظهر وجهها شبه الباسم وذراعاها وحضن مرتقب.

بكيت مرة لأني أراها الآن، ثم بكيت مرة ثانية لأنها ستحضنني، ثم ثالثة لأني لا أذكر كيف كان حضنها، وبكيت رابعة لأني تذكرت أنها لم تحضني قط دون مناسبة.

لكن، أظن أنه توجد الآن مناسبة. أنا متعبة من مصارعة كل هذه الشياطين وحدي، وأحتاج هذا الحضن الآن، لأستطيع أن أحمل نفسي من أرضية الحمام إلى كرسي مكتبي، الجحيمي، غير المريح.

حتى لو لم يبد الأمر مقنعًا، ولم تبد هذه مناسبة، احضنيني الآن يا ماما لو سمحتِ.

هل يبدو هذا كاستجداء للاهتمام؟ أخاف أن أتورط فيه فألجأ إلى إقناع نفسي بأني لا أحتاجه ولا أهتم؟ ليكن يا ماما.

ربما لو توقفت الانفجارات في رأسي، وخف قليلا، ربما لن أحتاج إلى اهتمام، ولا إلى نفي حاجتي للاهتمام، ولا إلى التورية. ربما لو توقف الألم، وأصبح الكرسي مريحا أكثر، وعادت إلي نظراتي الشاردة، وحضنتني أمي، أتمت الحضن مرة، عوضا عن الاكتفاء بتعشيمي.

2016-04-11

هذا الترائي

تَرَاءاهُ: قَابَلَهُ فَرَآهُ.
- المعجم: الغني

تراءيتك: قابلتك فرأيتك.
- المعجم: ما لم يحدث
Painting by Françoise De Felice.

2016-04-08

إلى الدكتور -١

عزيزي الدكتور..

في الأسبوعين الماضيين، لجأت إلى خدعة بسيطة لأعرف ما سأخبرك به في المرة القادمة، حين تسألني عما يشغلني ويشتت تركيزي. القائمة طويلة وتطول كل يوم، والملصق الأصفر الطيب لا يمانع أن يستطيل معها ليستوعب عناصرها المتزايدة.

ستسأل: فيم تفكرين؟ فأعطيك الورقة لتقرأها على مهلك. لكنني سأتجاهل كل الأفكار، وسأسهب في الحديث عن خاطرتين ملحتين.

أنا أتحدث مع ماما كثيرا، أكثر من أي شخص آخر، وبصوت مسموع أحيانا. هي لا تبادلني الحديث، لكنها تصغي جيدا، ولا تملني أبدا. أظنني أذكرها أكثر مما أذكر الله، وأقدسها. هي بعيدة جدا مكانا وزمانا وتصورا، إلى حد أني أعتقد أن إيماني بها يستحق مكافأة مجزية، على الرغم من أنها تستحق أن أومن بها، لكنني أنا من تضع في ذلك الإيمان من روحها وعقلها طاقة كبيرة. الإيمان مرهق جدا يا دكتور.

أختي تقول إني محظوظة لأنني أتحدث مع ماما. هل هذا صحيح؟

الشخص الآخر الذي أتحدث معه كثيرا، ليس شخصا، بل اسم. أنا أتحدث مع اسم أحمد. أشكو إلى اسم أحمد أشياء كثيرة، وأطلب منه أشياء أكثر، ويزعجني أنه -على العكس من ماما- لا يسمع شيئا مما أقول. لكنه مع ذلك، كثيرا ما ينظر إلي طويلا، في ظلام غرفتي ليلا. يرى تقلبي المتواصل، ومحاولاتي اليائسة لتربيت ظهري، بنفسي. مشهد بائس تماما، لا يحتاج معه أن يسمع نداءاتي، لكنه لا يفعل شيئا حياله، حيالي. ربما لأنه مجرد اسم.

كان طارق يقول لي بنفاد صبر: أحمد، أحمد، دائما أحمد؟ نعم يا طارق، هذا ما يبدو عليه الأمر.

٨ أبريل ٢٠١٦

2016-04-06

حالة أخرى

هذا الانتظار يأكل معدتي.

لعله أسوأ من نوبات القلق، التي يتوقف فيها الزمن، وتختفي في فوضاها لائحة الأمنيات، ولا يتبقى سوى الرغبة في النجاة. أنا أحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد النجاة، ما هو أكثر من زوال الخوف، وانقشاع الظلمة والبرد.

ما زلت أنتظر. ما زلت لا أجرؤ على التمني.

يقول إنه علي التفريق بين احتياجاتي ورغباتي. التفريق سهل. أنا لا أرغب في أي شيء. أنا لا أحتاج إلى أي شيء ... حتى النجاة.

Painting by Neven Maher.