2018-06-21

مقدمة النسخة الخاصة من الحلم

غلاف النسخة المزيدة من كتابي الأول "عن/إلى الحلم لا يؤلم"، الذي يمكن تحميل نسخته الأولى من هنا.
إليكَ عامان من الشعور والفكَر، لم أكن فيها فكرةً واحدة بل تعددتُ وتعدد الحلم في نفسه، فعديده خيال، ومعظمه أو أقله حقيقة. 

كان حقيقيًّا التقائي الفتی من غير تخطيط ولا توقع، وكان حقيقيًّا توارده علی أحلامي الناعسة، حقيقيٌّ كذلك الفراغ وحقيقيٌّ الشغف بالفتی المالئ الفراغ وزيادة. الفتی حقيقي، وبعض الفتی -أو كله- في الحلم، وبعض الحلم -أو كله- مكتوب، وبعض الكتابة تماهٍ مفرط في الحالة واستجابة ”أدبية“ لما تمليه الحبكة وأسطورية الحكاية. 

هذا ما أری عليه الأمر اليوم، وتقديمي إياه -علی علاته وبكافة اضطراباته واختلاطاته إليك- هو شيء مما أوصلني إليه قصوري الذاتي؛ وصلت رغم قلة زادي وبطء تسارعي، لأقول لك: أنت الفتی الحلم يا أحمد. 

رفعت أصابعي عن اللوحة قبل النقطة في آخر السطر الأخير، لأظل شاخصة إلی اللا شيء للمرة اللا نهائية: ماذا؟! هل تسمعينك! هل تعين ما تقولين؟!

ثم أعود لأقول إن الوهم ليس كما يبدو عليه، أنا لستُ واهمةً إلی هذا الحد ولا أعير الوهم اهتمامًا إلی هذا الحد. الأكيد لديَّ أنكَ حقيقي، وأنكَ الأكثر لياقة لتكون فتی حلمٍ حقيقيًّا لا يعتري الحلم به ما يعتري أحلامي من مبالغات تصفها وتعمقها العبارة. 

أنت أحمدُ.. أحمدُ فكرةٍ جيدة؛ شخص يعجبني علی صعيد العقل والوجود، أراك، أزعم أني أراكَ فعلًا، ورؤيتي لك كشخصٍ مميز يمكنني -علی مستوی ما- فصلها عن فكرة الفتی الحلم؛ فكرتكَ أهمُّ من فكرته، وفكرته إخلالٌ في بعضها بقدركَ كواحدٍ علی نقصه أكمل من أن يكون حلم فتاةٍ ما، وإخلالٌ بصورتي الذاتية أمام نفسي كبنتٍ كبيرةٍ لا يليق بها أن تغرِق في الوهم وتستغل لأجل إذكائه بشرًا من لحم ودم، وكلما ظنَّتْ أن بوسعها التوقف وأنها قد توقفتْ بالفعل عاد الحلم وعادت. 

أكتب إليكَ هذه المرة لأنني أريد التوقف حقًّا. أريد أن أقولها بصوت عالٍ لأدرك كم هي جنونية، لتقول لي: أجل، أنتِ مجنونة، لأفيق، وليكون لي أن أعيد طلب صداقتك بخاطرٍ فيه من الاطمئنان والصفاء واللا جنون.

وبعيدًا عن الجنون، يمكنني أن ألخص السابق في: 

أنا لا أعرفكَ، حتی وإن ادعيتُ ذلك. 

عرفتكَ كشخصٍ من أشخاص رائعين من بعيد منذ وقت طويل بالنسبة لي. 

حدث شيءٌ شديد الفوضوية بداخلي حين التقينا في سعد زغلول 21 أبريل 2012، لا أحملكَ من المسؤولية عنه إلا بقدر مسؤوليتكَ عن كونكَ نفسك؛ أحمد. 

ما حدث لي لحظتها لم يحدث لي قط من قبل، أنا قليلة الانتباه عندما يتعلق الأمر بالغرباء، ولا يكفي أن يكونوا ممن يكتبون كتابة حلوة أو يفكرون بطريقة حلوة أو يبدون حلوين، لأضطرب لدخولهم محيطي. 

اللقاء تبعته أحلام حلمًا تلو حلم، ولأسباب ظرفية وفراغية وغير مفهومة وجدتني أكتب الأحلام واللقاءات العابرة، وأعيش ما أكتب. 

أزعم أني كتبت بصدق شديد، بدقة أحيانًا، وكنت أترك للكلمة زمامي لتقودني في أحيان أخری، وبقيت الكلمات مجرد كلمات، أهمَّتني أيامًا كثيرة، وتهت عنها أيامًا أخر، تهت كثيرًا وظللت أعود.

العام الماضي في 21 أبريل، وددتُ أن أجمعها جميعًا وأرسلها إليك، لكني جبنت، لم أكن مستعدة، ولم أجد في نفسي ذلك الدافع الذي يدفعني دفعًا فعليًّا للتحدث معك، ففعلتُ ما أفعله كل مرة؛ جعلتُ الكتاب إليكَ كتابًا لكل من هبَّ ودب، تمامًا كما فعلتُ مع تدويناتي المباشرة التي لا تحتمل التباس الوجهة، ومع رسائلي لكَ التي صيرتها إلی غرباء لأني لم أدرِ كيف أجعلها لا تصل إلا إليك. 

قصة غريبة وحزينة؟ لا، لقد كنتَ حلمًا جميلًا غير مؤلم، كنتَ ملهمي، ومنحتني نصوصًا أحبها وأحب أنكَ أحببت بعضها. وإنكَ لا تدرك كم يجعلني كل ذلك ممتنة؛ ممتنة حتی النهاية وحتی تحقق الأمنيات لك أن تجد حلمك؛ كل أحلامك. 

أنتَ حققت لي من السعادة الاستثنائية ما لا تتصور، فوجب عليَّ أن أشكرك، أنا شاكرة للغاية وحامدة يا أحمد. 

اعترافي المتأخر لم يتأخر كثيرًا، فتأمُّل مليٌّ لعامين مضيا يضعني بمواجهة أحداث وتحولات وجودية عديدة في حياتي الشخصية، مواجهة تجعلني علی وعي بأن الفتی الحلم لم يكن أكبر مشكلاتي، بل لم يكن مشكلة في أوقات كثيرة.

هل يزيد من تقديري لفكرة الفتی الحلم أنها قد عاشت ونجت برغم الأهوال حولها؟ ليس تمامًا، لا يعني بقاء شيء أنه الأفضل بالضرورة، لكن يسرني أنني ما زلت قادرة علی الحلم والنجاة، وإن تغير تلقِيَّ للحلم وتفسيري إياه، وإن صرتُ أنجو بغير طريق. 

المدخل ليس رومانسيًّا كما يبدو، أعني أنني لم أحبب الفتی الحلم كما تحب فتاة الحلم فتی الحلم، ولا فتنتُ به فتنتها به، بل إن ما يعنيه لي مختلف تمام الاختلاف عن الأشكال النمطية والمتوقعة لعلاقات التعلق، وربما الأقرب شبهًا إلی علاقتي به هي علاقتك بشاعر تفضِّله أو فنان يطربك. 

لا أتوقع شيئًا، وأرغب في ألا تتوقع أنت بدورك شيئًا، حزَبَني أن أخبركَ بسري، و توافَق أن يكون السر أنت. 

ما زال هذا الذي أفعله يبدو لي جنونيَّا حتی لحظة نقري هذه الكلمات، ولم أقرر بعد إذا ما كنت سأعطيكها أم سأكتفي بحفظها في مسوداتي، كلا الخيارين مثير للهلع، وأنت والفتی الحلم تخيفانني برغم سلامكما.

يلح علي أيضًا: هل تصدقين أن ما كتبتِه من الجمال بمكان ليزهو الفتی أو يفخر بكونه قد كُتب عنه أو لأجله؟ أنتِ لا تصدقين ذلك. 

عزيزي أحمد، عزيزي الفتی الحلم، أنا مضطرة إلی تصديقكما أو الكفر بكما، في الآتي، فليس لنا أن نغير ما كان، ربما نعيد قراءته فقط. 

الواقع لا يمنحني الفرصة لاختبار إيماني، الواقع شائه، حيث يخاف الواحد من نفسه قبل خوفه من الآخرين، وحيث المخاوف حقيقية أكثر منا، وحيث الإخفاقات والأذى مجرب أكثر من الخيال، وحيث البنات اللاتي كنتُ لأنجبهن يعرفن أكثر وينضجن أسرع ويتعرضن للأذى والحب، بينما أنا أختبئ في منطقة الحلم الآمنة، ويبلغ تهوري مبلغه عندما أكتب. 

لا أحاول أن أكون أكثر تهورًا، ولا يمكنني تصور كيف تفكر فيَّ وأنت تقرأ هذا الذي بين يديك، كما ولا أستطيع أن أقيِّم ما يحدث بعينٍ ثالثة، ولا أن أستعين بشقيق أو صديق، أنا أقفز قفزتي الحرة وحدي من ارتفاع لا يُقاس.

صديقتي التي تقيم في الجانب الآخر من العالم؛ أمل التي حدثتكَ عنها من قبل، أرسلت إليَّ قبل أيام تقترح أن نواصل الكتابة معًا أنا وهي، نرسل الرسائل إلى صاحب الوشاح الأحمر، الغريب العابر الذي رأتْه مرة يتناول إفطاره في المطعم مع أمه، شعره أشقر فيه بياض، عيناه خضراوان، وله ابتسامة آسرة، شاهدته وصاحبتها بينما كانتا تجلسان كأي مصريتين في عقدهما الرابع في بلد بارد ككندا، تستذكران وحدتهما وكل ما انقضى سالف أيامهما دون تحقيقه، وخطرتُ لها حينذاك، خطر لها أنني لو كنتُ هناك لأعجبني الوشاح الأحمر حول عنق الرجل الأعسر حبيب أمه، ولأعجبه شعري الأسود الفاحم وعينيَّ السمراوين، ولضممنا طاولتينا إحداهما للأخرى واسترسلنا. سيناريو لطيف و“اتهرس في أفلام كتير“، لكن كثيرين ما زالوا يحبون الأفلام المهروسة من هذا النوع، ربما لأنهم يعيشون من خلالها حيوات لن يعيشوها أبدًا، ولن يتحملوا كلفتها. 

المهم، الفصول التالية مرتبة زمنيًّا، ضامة كل ما كتبته عن وإلى الحلم الذي لا يؤلم، سواء ما شاركته من قبل أو أسررته. 

قراءة طيبة أتمناها لكما :)

أبريل 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق